أصدرت الحكومة اللبنانية، في الثاني من مارس/ آذار الماضي، قرارها “الحظر الفوري لنشاطات حزب الله العسكرية والأمنية، باعتبارها خارجة عن القانون، وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية”. وبحسب النص المنشور على موقع رئاسة مجلس الوزراء اللبناني “تطلب الحكومة من الأجهزة العسكرية و الأمنية اتخاذ الإجراءات الفورية تنفيذاً لما ورد أعلاه، وتوقيف المخالفين، وفقا لما تفرضه القوانين والأنظمة مرعيّة الإجراء”. وبعد أسبوع، أعلن الرئيس جوزاف عون جاهزية لبنان للانخراط في مفاوضات مباشرة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، واصفا حزب الله، من دون تسميته، بأنه فريق مسلح خارج عن الدولة في لبنان”.
تتطلب قراءة متجدّدة للقرار الحكومي اللبناني المضموم إلى موقف الرئاسة الأولى بشقيه التفاوضي والنزاعي مع حزب الله استحضار البناء الخلفي للقرار والموقف، وهو بناء استمدّ أساسه من رؤية سياسية، استعجلت الحُكم على نتائج الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، ذلك أن قرار الحكومة جاء بعد ثلاثة أيام من اشتعال الحرب (28 فبراير/ شباط ) وانتهاج واشنطن وتل أبيب استراتيجية ” قطع الرؤوس” بغرض إسقاط النظام الإيراني. وحين بلغ نبأ الحرب مداه باغتيال المرشد علي خامنئي وكبار القياديين والمسؤولين الإيرانيين من الطبقتين الأولى والثانية، تغذّت الرؤية اللبنانية الرسمية والمستعجلة باقتراب انهيار النظام في ايران، وبما أن صلة الوصل بين طهران والضاحية الجنوبية لبيروت ليست في حاجة إلى بيان وتبيين، فقد استقرّت الرؤية اللبنانية على قناعة شديدة، تفيد بأن الانهيار في إيران سيرتدّ انهياراً في الضاحية. ومن تلافيف هذه الرؤية خرج القرار الحكومي، ومالت الرئاسة الأولى إلى المفاوضات المباشرة.
في المقلب الآخر، حزب الله ومعه رئيس مجلس النواب نبيه بري، كان المعنيون يرسلون الرسائل إلى الجهات المعنية ويذيلونها بإستدعاء ما ورد في “طبقات إبن سعد” وفيها “آفَاتُ كُلِّ حَدِيثٍ فِي الأَنَامِ رُوَاةْ … وَمَا ثَقِيلٌ عَلَى النَّقَّالِ كَالتَّثَبُّتْ”، بمعنى ألا يسلك المستعجلون سبيل الخصام في أمرين: نزع السلاح والتفاوض المباشر، ولا يرضخون لأول الحرب وأخبارها، فالحروب في نتائجها، لكن أصداء مزامير داود لم تصل إلى أصحاب السيادة والسعادة، فثُقب الدف وتفرق العشاق، على ما يفيد القول الشعبي المأثور.
استقرّت الرؤية اللبنانية على قناعة شديدة، تفيد بأن الانهيار في إيران سيرتدّ انهياراً في الضاحية
في السياسة، تُبنى الرؤى على معطيات ووقائع واستشعارات، ولا يُستبعد منها المزاج ولا العامل الشخصي، وكما يتفق فلاسفة السياسة والضالعون في علمها وأهل الخبرة، فالسياسة ليست عقيدة جامدة غير قابلة للتحريك والتبديل، إلا إذا جرى تحويلها إلى إيديولوجيا صارمة، على ما ذهب غلاة اليمين واليسار في مشارق الأرض ومغاربها، كما هي شواهد القرن العشرين الماضي، ففي تفسير علم السياسة، يقول بارتلمي سانت هيلير (1805 ـ 1895 يقال إنه احد أبناء نابليون بونابرت) أستاذ الفلسفة الإغريقية ووزير الخارجية الفرنسية سنوات، في مقدمة ترجمته عن اليونانية القديمة كتاب أرسطو “السياسيات” “في علم السياسة، كما في كل علم آخر، لا يوجد إلا منهجان ممكنان، إما أن يلجأ المرء إلى المبادئ العقلية ليحكم على الحوادث وينظمها، أو أن يلجأ إلى الحوادث فيفسّرها تفسيراً ليضع منها مبادئ”.
انطلاقا من هذا، يمكن إخضاع قرار الحكومة اللبنانية الآنف، وكذلك السلوك التفاوضي المباشر، لعناصر ذاك التعريف لعلم السياسة، وخصوصا في شقه الثاني، وعلى أساسه تُستدعى الرؤية الرسمية اللبنانية بنزع السلاح والتفاوض، وبأنها صيغت على “حوادث” الحرب على إيران، ومشارفة نظامها على الانهيار. أما بعد سريان الهدنة مع الثنائي الأميركي الإسرائيلي في 7 إبريل/ نيسان، وما تلاها من مذكّرة تفاهم إيرانية ـ أميركية في 17 يونيو/ حزيران الجاري، وشمول المذكرة في بندها الأول إعلاناً بوقف الحرب على الجبهة اللبنانية، وتعهداً في بندها الثاني بعدم تدخل كل طرفٍ في الشؤون الداخلية للطرف الآخر، ومما يعني اعتراف الولايات المتحدة أول مرّة منذ 1979 بالنظام القائم في إيران، فالأمر يستدعي إعادة النظر في “الحوادث” ومستجداتها، وهذا يملي على الدولة اللبنانية تغيير رؤيتها السياسية، والتعاطي مع الواقع والإقرار بأنه أصل السياسة وفصلها وفعلها الأول.
ولعل من مفارقات المضي بالرؤية الرسمية اللبنانية المبنية على قناعة الإستعجال و”التكهن” بسقوط النظام الإيراني، أن فروع هذه الرؤية متمسّكة بالتفاوض المباشر مع إسرائيل، ومصرّة على عدم وجود “نياتٍ عدائية” معها، مثلما ورد في البيان الختامي لجولة المفاوضات الرابعة في الثالث من يونيو/ حزيران الحالي، وفي الوقت نفسه، تغلق قنوات الاتصال مع طهران. ويكاد يكون حبل السرة مقطوعا مع حزب الله، ولولا شعرة معاوية المتبقية بين رئاسة مجلس النواب ونظيرتيها الأولى، رئاسة الجمهورية، والثالثة رئاسة الحكومة، لجازت الاستعانة بروحية هذه المقاطع للشاعر الأموي الأخضر اللهبي: مهلا بني عمنا مهلاً موالينا/ لا تنبشوا بيننا ما كان مدفوناً… الله يعلم أنا لا نحبكمُ/ ولا نلومكم ألا تحبّونا.
في الطريق نحو تحويل مذكرة التفاهم الإيرانية ـ الأميركية إلى اتفاق نهائي، تتضح معالم نشوء نظام إقليمي جديد
في الطريق نحو تحويل مذكرة التفاهم الإيرانية ـ الأميركية إلى اتفاق نهائي، تتضح معالم نشوء نظام إقليمي جديد، من أعمدته مضيق هرمز ووقف الحرب على الجبهة اللبنانية، وبما يختص بلبنان، من الأهمية القصوى أن يُقرأ في بيروت، بدقة وتمعّن، البيان القطري ـ الباكستاني المشترك الذي صدر عقب جولة المفاوضات الأولى بين إيران والولايات المتحدة في سويسرا في الأسبوع المنصرم، وشارك فيه عن الجانب الإيراني رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، وعن الجانب الأميركي جي دي فانس نائب الرئيس دونالد ترامب، ففي البيان المنشور على موقع وزارة الخارجية القطرية “… واتفق الطرفان (إيران والولايات المتحدة) على إنشاء مجموعة عمل لتفادي التصعيد، تضم الطرفين والجمهورية اللبنانية، وبتيسير من الوسطاء، بهدف ضمان الإلتزام بوقف العمليات العسكرية في لبنان”.
تطرح قراءة هذا البيان، بدقة وتمعّن، كما سبق القول، على الدولة اللبنانية سؤالا عما هي فاعلة إزاء مشاركة إيران في “مجموعة العمل” الملقى على عاتقها مهمة الإشراف على وقف إطلاق النار في لبنان. وتفترض الإجابة استرجاع التعريف الخاص بعلم السياسة كما شرحه وزير الخارجية الفرنسية الأسبق، لودريان، ولكن هذه المرّة بالاتكاء على شقه العقلاني بغرض تنظيم السياسة وفقا لحوادثها ووقائعها، وهذه القاعدة اعتمدها اللواء فؤاد شهاب في ولايته الرئاسية (1958 ـ 1964)، إذ كان يردّد على مسامع من ينتقد مداراته سياسة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، فيقول ” شعبّية عبد الناصر نصف البلد، واضطراب العلاقة معه تهز البلد”.
لم يكن الرئيس فؤاد شهاب شرقي الهوى، بل غربي الميول، ومع ذلك أفلح في السير على صراط التوازن اللبناني الداخلي، فأرضى الجمهور الناصري (نصف البلد) فلم يقارع عبد الناصر ولم يصارع الغرب، وفي عهده تجلت السياسة الخارجية اللبنانية بأبهى صورها، فعاشت عصرها الذهبي، وحولها كتب وزير الخارجية اللبنانية فؤاد عمّون (1899ـ 1977) فقال في كتاب “سياسة لبنان الخارجية” (1959) إن هذه السياسة تنبثق من الوفاق اللبناني الداخلي، وهذا الوفاق هو الذي يصوغ سياسة لبنان الخارجية… من يقرأ فؤاد عمّون في هذه الأيام؟