اخبار

لوكاشينكو… واقعيّة ديكتاتور

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
لوكاشينكو… واقعيّة ديكتاتور

ما الذي يريده الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو؟ أظهر ديكتاتورية تنحو إلى روسيا، لكنها تترك مجالاً لواقعية سياسية تشرع الأبواب له في الغرب، مع قمع داخلي لكل صوت معارض. بعد أربع سنوات على الغزو الروسي لأوكرانيا، وجزء كبير منها من الحدود الشمالية لكييف، حيث ترابض مينسك، حان الوقت بالنسبة له لإظهار نوع من التمايز مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين. أساساً لم يكن التمايز خفياً، لكن التحالف مع موسكو ظلّ أولوية مطلقة لمينسك. لا يعود السبب إلى تاريخ وتقاليد وأيديولوجيات، بل إلى معطيين: ارتباط لوكاشينكو بالكامل بالغاز الروسي مصدراً لطاقة البلاد. توقيع لوكاشينكو على معاهدة “دولة الاتحاد” التي تضم روسيا وبيلاروسيا، في 8 ديسمبر/ كانون الأول 1999، مع نظيره الروسي آنذاك بوريس يلتسين. كان بوتين حاضراً بصفته رئيساً للوزراء، قبل أن يتسلّم مهامه الرئاسية في الكرملين، بعد 23 يوماً بسبب استقالة يلتسين. هذان المعطيان ألزما لوكاشينكو، حتى أنه أوحى أحياناً أنه قادر على التفلت، لو أُتيحت له الفرصة من الغرب. لم تأتِ الفرصة، بل على العكس، تمدّد بوتين في الأراضي البيلاروسية، عبر نقل أسلحة نووية إلى هناك وجيوشه ونفوذه، في ظلّ جيش بيلاروسي صغير الحجم، ولا يتجاوز عديده الـ48 ألفاً في أحسن الأحوال، ما يجعله الجيش الأصغر بين الدول المنبثقة من “كييفان روس” (كييف الحالية) الثلاث: أوكرانيا وبيلاروسيا وروسيا.

عاد دور لوكاشينكو إلى البروز، إثر توجيه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تهديداً مباشراً له، الأسبوع الماضي، ومنحه أسبوعاً لإغلاق (وتفكيك) أربع محطات روسية منصوبة في منطقتي غوميل وبريست البيلاروسية المحاذية للحدود الأوكرانية، المخصّصة لتوجيه الهجمات الصاروخية ومسيرات “شاهد” الانتحارية ضد المدنيين والبنية التحتية الأوكرانية. وقال زيلينسكي: “إذا لم يوقفها ويفكّكها، فسنفعل هذا بأنفسنا”، مهدّداً بشن ضربات عسكرية مباشرة داخل الأراضي البيلاروسية. وقبل انقضاء مهلة الأسبوع، أعلن زيلينسكي أن مينسك أوقفت تشغيل تلك المحطات. ولم تكن المرة الأولى التي يتراجع فيها لوكاشينكو قبل الآخرين. سبق للرئيس البيلاروسي أن اصطدم مع موسكو، حين اعتقل 33 عنصراً من مجموعة فاغنر، صيف 2020، قبل إجراء الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها لاحقاً. واتهم لوكاشينكو العناصر بمحاولة التدخل في الانتخابات، قبل أن يتراجع بعد اتصالات مع بوتين. كذلك، في مسألة الحدود مع بولندا، بفعل أزمة المهاجرين غير النظاميين التي نشأت بين البلدين، تراجع سريعاً في استخدام نبرة القوة ضد وارسو. وفي العام الماضي، مع وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى السلطة، فُتحت الأبواب أمام لوكاشينكو، عبر رفع عقوبات في مقابل إفراجه عن معتقلين سياسيين، أجانب وبيلاروسيين.

في موازاة هذا، عاود ترامب نقل البندقية من إصراره على تخلي أوكرانيا عن أراضيها لروسيا، أي دونيتسك ولوغانسك وزابوريجيا وخيرسون وشبه جزيرة القرم، إلى إبداء دعمه لها والإشادة بزيلينسكي وتفعيل الدعم العسكري، مثلما تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. عدا عن هذا، تُظهر أزمة المصافي الروسية، والعجز الطاقوي في موسكو، ضعفاً روسياً يراقبه لوكاشينكو، الساعي عملياً إلى ربط نفسه بالغرب أكثر مما هو الحال عليه مع الحليف الشرقي. سيمرّ هذا التحول البطيء لدى بيلاروسيا بمحطات من قبيل، إن “لوكاشينكو يساند بوتين ويرفض أي تدخل في الشؤون الروسية”، وإنه “يرفض استخدام أراضيه لضرب موسكو”، وأنه “طرف ثالث يريد السلام مع الجميع”. عبارات مثل هذه وغيرها ستبرز في وكالة بيلتا البيلاروسية الرسمية، وسيُقابَل تحول لوكاشينكو بأياد ممدودة من الأميركيين خصوصاً، حتى من الأوكرانيين، الذين سمح لهم بالعمل في الغابات البيلاروسية الغربية، بعد فتح ثلاثة معابر بين البلدين الخميس الماضي.

ما يريده لوكاشينكو هو الصمود في موقعه مع تزايد التحدّيات التي تواجه بوتين، معتمداً على حليف أميركي متجدّد، وتحييد أوكراني مطلوب. ومثل هذه الإرادة ستصطدم في لحظة ما مع الكرملين، الذي لن يتردد في فعل كل ما يتطلّب الأمر للإبقاء على الممر البري نحو جيب كالينينغراد. مع هذا، أبانت التطورات العسكرية في حرب أوكرانيا عن تراجع روسي، سواء بتحرير كييف أجزاء من أراضيها، ولو صغيرة، أو عبر استهداف المسيرات الأوكرانية مصافي ومستودعات نفطية روسية، غربي جبالي الأورال وشرقه. في النهاية، أقدم ديكتاتور في أوروبا سيُفضّل كرسياً مضموناً في مينسك على أوهام إمبراطوريات تتهاوى في دونباس.