اخبار

رسالة من السجون تعيد الجدل حول الديمقراطية والمعارضة في تونس

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
رسالة من السجون تعيد الجدل حول الديمقراطية والمعارضة في تونس

الرسالة تؤكد أن الجدل حول مستقبل النظام السياسي في تونس لم يُحسم بعد، وأن الأسئلة المتعلقة بالديمقراطية والحريات والعلاقة بين الدولة والمعارضة ما زالت حاضرة بقوة في النقاش العام.

تونس-»القدس العربي «:  أعادت الرسالة الجماعية التي أصدرها عدد من السياسيين الموقوفين في تونس مؤخرا الجدل حول مستقبل الحياة السياسية في البلاد، وحول طبيعة المرحلة التي تعيشها تونس منذ الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيد في 25 تموز/يوليو 2021. فقد دعا أحد عشر موقوفا من شخصيات سياسية ومدنية معروفة إلى توحيد الجهود من أجل ما وصفوه باستعادة الديمقراطية، معتبرين أن الخلافات السياسية والإيديولوجية ينبغي أن تتراجع مؤقتا لصالح هدف أوسع يتمثل في إعادة بناء الحياة الديمقراطية ومؤسسات الدولة الدستورية.

وضمت الرسالة أسماء تنتمي إلى توجهات سياسية مختلفة، من بينها رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، ورئيس جبهة الخلاص الوطني أحمد نجيب الشابي، والأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي، والمحامي العياشي الهمامي، إضافة إلى جوهر بن مبارك وشيماء عيسى وعبد الحميد الجلاصي وغيرهم من الشخصيات التي تواجه تتبعات قضائية في قضايا مختلفة تتعلق أساساً بما يعرف بملفات «التآمر على أمن الدولة».
وتأتي هذه الرسالة في سياق سياسي متواصل منذ خمس سنوات تقريبا، شهد تحولات عميقة في شكل الحكم وفي طبيعة العلاقة بين السلطة والمعارضة. كما شهد نقاشا واسعا داخل تونس وخارجها حول تقييم التجربة الديمقراطية التونسية ومآلاتها.
ولفهم أهمية هذه الرسالة، لا بد من العودة إلى السياق الذي سبقها. فقد عاشت تونس بعد ثورة 2011 تجربة انتقال ديمقراطي اعتبرت في بداياتها الأكثر نجاحا بين دول ما عرف بالربيع العربي. وتمكنت البلاد من إقرار دستور جديد سنة 2014 وإجراء عدة انتخابات تشريعية ورئاسية ومحلية في مناخ تعددي وتنافسي.
غير أن السنوات اللاحقة كشفت عن صعوبات كبيرة واجهتها الدولة، من بينها تراجع النمو الاقتصادي، وارتفاع نسب البطالة والتضخم، وتفاقم المديونية، إضافة إلى حالة من عدم الاستقرار الحكومي حيث تعاقبت عدة حكومات في فترة قصيرة نسبيا. كما تصاعدت حدة الخلافات بين الرئاسات الثلاث والأحزاب السياسية، الأمر الذي انعكس على الأداء العام لمؤسسات الدولة.
وفي ظل هذه الظروف أعلن الرئيس قيس سعيد في 25 تموز/يوليو 2021 جملة من الإجراءات الاستثنائية شملت تجميد عمل البرلمان وإعفاء رئيس الحكومة وتولي السلطة التنفيذية بشكل مباشر. وبرر الرئيس قراراته آنذاك بوجود خطر داهم يهدد الدولة وبضرورة إنقاذ البلاد من حالة الشلل السياسي والاقتصادي. ومنذ ذلك التاريخ انقسم التونسيون بين مؤيد لهذه الإجراءات باعتبارها تصحيحا لمسار سياسي فشل في تحقيق تطلعات المواطنين، وبين معارض لها يرى أنها مثلت تراجعا عن المكتسبات الديمقراطية التي تحققت بعد الثورة.

مضمون الرسالة

ركزت الرسالة الصادرة عن السياسيين الموقوفين على فكرة أساسية مفادها أن تونس تشهد أزمة سياسية عميقة تتطلب توحيد جهود مختلف القوى الديمقراطية والمدنية. واعتبر الموقعون أن الخلافات الفكرية والحزبية يجب أن تؤجل في هذه المرحلة، وأن الأولوية ينبغي أن تمنح للدفاع عن الحريات العامة واستعادة المسار الديمقراطي.
كما أكدت الرسالة أن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع يبقى الآلية الأساسية لحسم الخلافات السياسية بين التونسيين. وأن الحوار الوطني يمثل السبيل الأمثل لمعالجة التباينات الموجودة بين مختلف مكونات المشهد السياسي.
ومن اللافت أن الرسالة جاءت موقعة من شخصيات تنتمي إلى مدارس سياسية مختلفة كانت بينها في مراحل سابقة خلافات حادة. وقد دفع ذلك بالبعض إلى اعتبارها محاولة لإعادة تشكيل أرضية مشتركة بين أطراف المعارضة حول أهداف محددة تتجاوز الانقسامات التقليدية.

موقف السلطة

بالمقابل، تتمسك السلطات التونسية برواية مختلفة للأحداث، حيث تؤكد باستمرار أن ما جرى في تموز/يوليو 2021 كان استجابة لمطالب شعبية واسعة عبرت عن رفضها للأوضاع السياسية والاقتصادية السائدة آنذاك. كما تؤكد السلطات أن التتبعات القضائية الموجهة إلى عدد من الشخصيات السياسية لا ترتبط بمواقفهم السياسية أو بانتماءاتهم الحزبية، وإنما بملفات قضائية تنظر فيها المحاكم وفقا للقوانين المعمول بها. وترفض الدولة التونسية وصف الموقوفين بـ«المعتقلين السياسيين»، معتبرة أن القضاء هو الجهة المختصة للفصل في التهم الموجهة إليهم.
وتشدد السلطات من جانبها على أن الإصلاحات التي تم تنفيذها خلال السنوات الأخيرة تهدف إلى بناء نظام سياسي أكثر فاعلية واستقرارا. كما تهدف أيضا برأيها إلى تجاوز الإشكاليات التي شهدتها مرحلة ما بعد الثورة.

التحديات والرهانات

رغم أهمية الرسالة من الناحية السياسية، فإن المعارضة التونسية تواجه عددا من التحديات التي تجعل من الصعب تحويل هذه المبادرات إلى مشروع سياسي قادر على إحداث تغيير ملموس في موازين القوى. وأولى هذه التحديات تتمثل في الإرث الثقيل للخلافات السابقة بين مكونات المعارضة نفسها. فالكثير من الأحزاب والشخصيات التي تدعو اليوم إلى الوحدة كانت خلال السنوات الماضية في مواقع متعارضة، وخاضت صراعات سياسية وإيديولوجية أثرت على مستوى الثقة المتبادلة بينها.
أما التحدي الثاني فيتعلق بصورة الطبقة السياسية لدى جزء من الرأي العام. فالكثير من التونسيين ما زالوا يحملون الأحزاب التي شاركت في الحكم بعد الثورة مسؤولية جزء من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد، وهو ما يجعل استعادة ثقة المواطنين مهمة معقدة بالنسبة إلى المعارضة.
ويتمثل التحدي الثالث في طبيعة الأولويات المجتمعية الحالية. فمع استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع كلفة المعيشة، يبدو أن الاهتمام الشعبي ينصب بدرجة كبيرة على الملفات الاجتماعية والاقتصادية أكثر من النقاشات الدستورية والسياسية، الأمر الذي يفرض على مختلف الأطراف تقديم حلول عملية للمشاكل اليومية للمواطنين.
وعلى الرغم من هذه التحديات، يرى عدد من المتابعين أن أهمية الرسالة تكمن أساساً في بعدها الرمزي. فهي تعكس استمرار وجود معارضة سياسية منظمة رغم ظروف الإيقاف والمحاكمات، كما تعبر عن رغبة في إعادة طرح قضية الحريات والديمقراطية على جدول النقاش العام.
كذلك فإن صدور الرسالة بشكل جماعي يمنحها بعداً خاصاً، إذ توحي بوجود حد أدنى من التوافق بين شخصيات تنتمي إلى تيارات متعددة، وذلك حول طبيعة المرحلة الراهنة والأولويات التي ينبغي التركيز عليها. وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى المبادرة باعتبارها محاولة لإعادة صياغة خطاب معارض أكثر شمولا، لا يقتصر على الدفاع عن أشخاص أو أحزاب بعينها، بل يركز على مبادئ عامة مثل الديمقراطية والتعددية والحريات.

مستقبل المشهد السياسي

إن من الصعب التنبؤ بالتأثير المباشر الذي قد تتركه هذه الرسالة على المشهد السياسي التونسي. فالمعادلات الحالية ما زالت معقدة، كما أن موازين القوى لا تزال تميل بشكل واضح لصالح السلطة القائمة. غير أن الرسالة تؤكد في الوقت نفسه أن الجدل حول مستقبل النظام السياسي في تونس لم يُحسم بعد، وأن الأسئلة المتعلقة بالديمقراطية والحريات والعلاقة بين الدولة والمعارضة ما زالت حاضرة بقوة في النقاش العام.
كما أن التطورات الاقتصادية والاجتماعية ستظل عاملا حاسما في تحديد اتجاهات المرحلة المقبلة. فنجاح أي طرف سياسي، سواء كان في السلطة أو في المعارضة، سيظل مرتبطا بقدرته على تقديم إجابات مقنعة للتحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد، وعلى رأسها النمو والتشغيل والاستثمار وتحسين القدرة الشرائية.
وبالتالي تمثل هذه الرسالة الموجهة من قبل عدد من السياسيين التونسيين الموقوفين محطة جديدة في الجدل السياسي التونسي المتواصل منذ سنة 2021. فهي تعكس رؤية أصحابها للمرحلة الحالية وتدعو إلى توحيد القوى الديمقراطية من أجل استعادة ما يعتبرونه مسارا ديمقراطيا تعرض للتعطيل. وبالمقابل، تواصل السلطات التأكيد على شرعية الخيارات التي اعتمدتها وعلى استقلالية القضاء في معالجة الملفات المعروضة عليه.
وبين هذين الموقفين، يبقى مستقبل الحياة السياسية في تونس رهين قدرة مختلف الفاعلين على إيجاد صيغ للحوار والتوافق، وعلى تقديم حلول عملية للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تشكل اليوم الهم الأول لغالبية التونسيين. فبعيدا عن الاختلافات السياسية، يظل تحقيق الاستقرار والتنمية وتحسين ظروف العيش أهدافاً مشتركة يتطلع إليها الجميع، وهي الأهداف التي ستحدد بالنهاية ملامح البلاد في السنوات القادمة.