وبعد أكثر من ألف عام من وجود الإسكندرية مقرًا للكرسي المرقسي، شهد القرن الحادي عشر تحولًا تاريخيًا في مسيرة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تمثل في نقل الكرسي البابوي إلى كنيسة السيدة العذراء مريم الشهيرة بمعلقتها في مصر القديمة، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الكرسي الرسولي ارتبطت بصعود القاهرة عاصمة سياسية واقتصادية لمصر.
مع إنشاء مدينة القاهرة على يد الدولة الفاطمية عام 969م. ج- ونقل مراكز الحكم والتجارة والإدارة إلى العاصمة الجديدة، بدأت سمات التحول تظهر تدريجيا داخل المؤسسات الدينية الرئيسية، مما دفع البابا خريستوذولوس، البطريرك السادس والستين للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إلى اتخاذ قرار تاريخي بنقل الكرسي البابوي من الإسكندرية إلى مصر القديمة في منتصف القرن الحادي عشر.
القاهرة الجديدة تغير خريطة مصر
مثّل تأسيس القاهرة على يد الفاطميين نقطة تحول مهمة في تاريخ مصر في العصور الوسطى، حيث سرعان ما أصبحت المدينة الجديدة مركزًا للحكم والتجارة والإدارة، بينما تراجع الدور السياسي للإسكندرية مقارنة بما كانت عليه خلال القرون السابقة.
وفي ظل هذه التغيرات، رأى البابا خريستودولوس (1046-1077م) أن وجود الكرسي البابوي بالقرب من مركز صنع القرار في البلاد أصبح ضرورة عملية وإدارية، خاصة مع تزايد أعداد الأقباط في القاهرة وما حولها، وتزايد أهمية العاصمة الجديدة في الحياة المصرية.
ومن هنا جاء قرار نقل الكرسي البابوي إلى كنيسة السيدة العذراء المعلقة، التي أصبحت منذ ذلك الحين القلب الإداري والروحي للكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
الكنيسة المعلقة.. جوهرة مصر القديمة
ولم يكن اختيار الكنيسة المعلقة صدفة، فهي من أقدم وأشهر الكنائس في مصر والعالم المسيحي الشرقي.
ووصفها المؤرخ الإنجليزي الشهير ألفريد بتلر بأنها من أقدم الكنائس المتبقية في مصر، مشيرًا إلى أن بعض أجزائها ترجع إلى القرن الثالث أو الرابع الميلادي، بينما يرجع تاريخ المبنى الرئيسي الحالي إلى القرن السادس الميلادي.
وأوضح بتلر أن الكنيسة بنيت على برجين من أبراج الحصن الروماني الشهير المعروف باسم حصن بابل، مما أكسبها اسم “المعلق” نظرا لارتفاعها عن مستوى التضاريس المحيطة بها.
كما أشار إلى أن تصميمه المعماري يتبع الطراز البازيليكي التقليدي الذي كان سائدا في الكنائس القديمة، ويتميز بوجود ثلاثة هياكل رئيسية ومجموعة من العناصر الفنية الفريدة التي جعلته أحد أبرز الآثار القبطية في مصر.
المقريزي يوثق مكانتها
ولم يقتصر مدح الكنيسة المعلقة على المؤرخين الغربيين، بل حظيت بمكانة خاصة في كتابات المؤرخ المصري الشهير تقي الدين المقريزي.
ووصف المقريزي في كتابه “المخططات” الكنيسة المعلقة بأنها من أشهر الكنائس في مصر القديمة، وذكر أنها تقع في منطقة قصر الشام وسميت باسم السيدة العذراء مريم، مبرزًا أنها كانت من أعرق الكنائس وأكثرها احترامًا بين الأقباط.
وتكشف هذه الشهادات التاريخية عن مدى الأهمية الدينية والرمزية التي كانت تتمتع بها الكنيسة قبل اختيارها مقرا للكرسي البابوي، مما جعلها الاختيار الطبيعي للبابا خريستوذولوس عندما قرر نقل مقر البطريركية إلى القاهرة.
أكثر من 270 عامًا مقرًا للكرسي المرقسي
أصبحت الكنيسة المعلقة المقر الرسمي للكرسي البابوي حوالي عام 1047 م. ج- وحافظ على هذه المكانة لأكثر من قرنين ونصف القرن.
وشهدت الكنيسة خلال هذه الفترة خلافة عدد كبير من البطاركة الذين أداروا شئون الكنيسة القبطية في مختلف أنحاء مصر.
كما أصبحت مركزًا مهمًا للقرارات الكنسية الكبرى، واستقبال الوفود، وعقد المجالس، ومراقبة الشئون القبطية في مختلف المناطق، مما جعلها من أهم المواقع الدينية في تاريخ الكنيسة المصرية.
أبو سيفين.. مقر بديل في أوقات الضرورة
على الرغم من أن الكنيسة المعلقة ظلت المقر الرسمي للكرسي البابوي، إلا أن بعض الظروف الاستثنائية دفعت العديد من البطاركة إلى الإقامة أحيانًا في كنائس مصرية قديمة أخرى.
وأبرز هذه الكنائس كنيسة الشهيد العظيم مارمينا وأبو سيفين، والتي استخدمها بعض الباباوات كمقر مؤقت أو مكان بديل للاستراحة خلال فترات محددة.
إلا أن هذه الإقامات كانت مؤقتة، ولم تؤثر على الوضع الرسمي للكنيسة المعلقة، التي حافظت على مكانتها كمقر رئيسي للباباوات الأقباط طوال تلك الفترة.
نهاية مرحلة وبداية أخرى
واستمر ارتباط الكرسي المرقسي بالكنيسة المعلقة حتى عهد البابا يوأنس الثامن البطريرك الثمانين للكنيسة القبطية الأرثوذكسية (1300-1320م)، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من رحلة الكرسي البابوي في القاهرة.
ومع التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر في العصر المملوكي، ظهرت الحاجة إلى كرسي جديد للبطريركية يواكب الظروف المتغيرة، لتبدأ محطة ثالثة في تاريخ الكرسي المرقسي بعد الإسكندرية والكنيسة المعلقة.
شاهد حي على 1000 عام من التاريخ
ورغم مرور قرون عديدة على نقل المقر البابوي من هناك، إلا أن الكنيسة المعلقة لا تزال تحتفظ بمكانتها الاستثنائية في الوعي القبطي والمصري.
وهو ليس مجرد مبنى أثري أو كنيسة تاريخية، بل يمثل إحدى أهم المحطات في رحلة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية وشهادة حية لمرحلة امتدت لأكثر من 270 عاما كانت خلالها مركز القيادة الروحية والإدارية لأكبر كنيسة في الشرق الأوسط.
ولهذا تظل الكنيسة المعلقة أحد أبرز رموز التراث القبطي في مصر، ورمز مرحلة محورية انتقل خلالها الكرسي المرقسي من شواطئ الإسكندرية إلى قلب القاهرة التاريخية.