منذ أكثر من مئة يوم، تعيش منطقة الشرق الأوسط حالة استثنائية يصعب تصنيفها ضمن مفاهيم الحرب التقليدية أو السلام المُستقر، فالمشهد القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يعكس حرباً شاملة بالمعنى الكلاسيكي، كما لا يمثّل حالة تهدئة أو تسوية سياسية، بل يعبّر عن منطقة رمادية تتداخل فيها الضربات العسكرية مع المفاوضات، وتتجاور فيها لغة الدبلوماسية مع لغة الصواريخ، فيما تبدو المنطقة بأكملها وكأنّها عالقة داخل ما يمكن تسميته بـ”مثلث النار” الذي تتقاطع أضلاعه بين واشنطن وتل أبيب وطهران.
منذ اندلاع المواجهة العسكرية المباشرة بين إسرائيل وإيران، وما تبعها من انخراط أميركي مُتزايد، شهد العالم سلسلة مُتلاحقة من العمليات العسكرية والهدنات المؤقّتة والتهديدات المُتبادلة. حرب لاثني عشر يوماً، ثم حرب أخرى لأربعين يوماً، جولات تصعيد امتدّت لأسابيع، ثم وقف لإطلاق النار يعقبه تجدّد للضربات، ثم إعلان أميركي بأنّ العمليات محدودة وليست حرباً مفتوحة، قبل العودة مُجدّداً إلى التهديد والضرب، وبدا المشهد وكأنّ الأطراف جميعها تسعى إلى تحقيق أهداف الحرب من دون تحمّل كلفتها الكاملة.
في جوهر هذا الصراع تبرز معادلة يمكن وصفها بـ”المعادلة الصفرية”، وهي المعادلة التي لا تعترف بالمكاسب المشتركة أو الحلول الوسط، بل تقوم على افتراض أنّ أمن طرف ما لا يتحقّق إلا بإضعاف الطرف الآخر أو إخضاعه، وفي ظلّ هذه المعادلة تحوّلت الملفات التقليدية الخلافية، كالمشروع النووي الإيراني والبرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي، إلى أدوات ضمن معركة أوسع تتعلّق بإعادة رسم توازنات المنطقة ومستقبلها السياسي والأمني.
أصبحت القنابل جزءاً من لغة التفاوض، والمفاوضات امتداداً للمعركة بوسائل أخرى
ومن هنا يمكن فهم التناقض الظاهري في السلوك الأميركي، فالرئيس الأميركي يدعو إلى السلام والتفاوض، ويضغط أحياناً على إسرائيل لوقف بعض عملياتها العسكرية، لكنّه في الوقت نفسه يلوّح بالقوّة ويأمر بشنّ ضربات عسكرية جديدة. وهذا التناقض لا يعكس بالضرورة غياب الرؤية، بقدر ما يعكس محاولة الجمع بين الدبلوماسية القسرية والقوّة العسكرية، أيّ استخدام الحرب كوسيلة لتحسين شروط التفاوض، وليس كغاية نهائية بحدّ ذاتها.
لقد أصبحت القنابل جزءاً من لغة التفاوض، والمفاوضات امتداداً للمعركة بوسائل أخرى. وفي هذا السياق يمكن النظر إلى الضربات العسكرية المُتقطّعة باعتبارها رسائل سياسية بقدر ما هي عمليات عسكرية، هدفها دفع إيران إلى القبول بشروط جديدة تتعلّق ببرنامجها النووي ودورها الإقليمي وقدراتها الصاروخية.
لكن المشكلة الأساسية التي تواجه هذا النهج تكمن في أنّ إيران، رغم الخسائر الكبيرة التي تعرّضت لها على مستوى البنية التحتية والقدرات العسكرية والقيادات الأمنية، لم تصل إلى نقطة الانهيار التي راهن عليها بعض صنّاع القرار في واشنطن وتل أبيب، بل نجحت في امتصاص جزء من الصدمة الأولى، واستخدمت أوراق ضغط مُتعدّدة، كان أبرزها ورقة الممرّات البحرية والطاقة، ما أدى إلى إرباك الحسابات الأولية للحملة العسكرية.
أدركت طهران أنّ قدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي قد تكون أكثر فعالية من قدرتها على مواجهة التفوّق العسكري الأميركي والإسرائيلي بصورة مباشرة
وهنا يبرز مضيق هرمز باعتباره أحد أهم مفاتيح فهم التحوّلات الجارية. فمن المفارقات أنّ الحرب التي بدأت تحت عناوين النووي والصواريخ وتغيير السلوك الإقليمي، انتهت بعد أسابيع إلى التركيز على قضية الملاحة البحرية وأمن المضيق، وكأنّ مركز الثقل الاستراتيجي انتقل من منشآت التخصيب إلى خطوط التجارة العالمية.
لقد أدركت طهران أنّ قدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي قد تكون أكثر فعالية من قدرتها على مواجهة التفوّق العسكري الأميركي والإسرائيلي بصورة مباشرة، لذلك تحوّلت ورقة مضيق هرمز إلى عنصر ضغط أساسي، ليس على واشنطن فحسب، بل على الاقتصاد العالمي بأسره، وأصبح أي اضطراب محتمل في المضيق يهدّد أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية، وهو ما يفسّر القلق الدولي المُتزايد من استمرار التصعيد.
وفي المقابل، تكشف التطوّرات الأخيرة عن وجود فجوة متنامية بين الحسابات الأميركية والإسرائيلية، فبينما تنظر إسرائيل إلى المواجهة باعتبارها فرصة تاريخية لإضعاف إيران استراتيجياً، وربّما دفعها نحو تغيير النظام، تبدو الولايات المتحدة أكثر حذراً تجاه الانزلاق إلى حرب طويلة ومفتوحة قد تستنزف مواردها وتؤدي إلى اضطرابات اقتصادية عالمية واسعة النطاق.
أي اضطراب مُحتمل في المضيق يهدّد أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية، وهو ما يفسّر القلق الدولي المُتزايد من استمرار التصعيد
هذا التباين لا يعني وجود قطيعة بين الحليفين، لكنه يعكس اختلافاً في ترتيب الأولويات، فإسرائيل تنظر إلى التهديد الإيراني من زاوية أمنية وجودية مباشرة، بينما تنظر الولايات المتحدة إلى الصراع من منظور أوسع يرتبط بالتوازنات الدولية والاقتصاد العالمي والمنافسة مع القوى الكبرى الأخرى.
ومن هنا تبدو المنطقة اليوم وكأنّها تعيش في قلب “مثلث النار”: إيران لا تستطيع التراجع بصورة تبدو استسلاماً، وإسرائيل لا تستطيع إعلان النصر الحاسم الذي وعدت به، والولايات المتحدة لا ترغب في التورّط بحرب شاملة لكنّها لا تستطيع الانسحاب من المشهد. والنتيجة هي استمرار حالة الاستنزاف المُتبادل التي تُبقي الجميع داخل دائرة التصعيد من دون الوصول إلى الحسم.
إنّ أخطر ما في هذه المرحلة ليس حجم الدمار العسكري المباشر، بل ترسيخ منطق المعادلة الصفرية الذي يجعل أيّ تسوية تبدو هزيمة لأحد الأطراف، بما يحوّل التفاوض من وسيلة للحل إلى أداة ضمن الصراع نفسه.
وفي ظلّ غياب مشروع خليجي-عربي للأمن الجماعي في المنطقة، واستمرار الرهان على القوّة العسكرية باعتبارها الأداة الوحيدة لتغيير الوقائع، يبقى الشرق الأوسط مُهدّداً بالانتقال من الحروب المحدودة والمتقطّعة إلى انفجارات أكبر يصعب التحكّم بمساراتها.