يواجه القانون الدولي إحدى أخطر الأزمات في تاريخه الحديث، حيث تُعطي القوى العالمية الكبرى الأولوية بشكل متزايد للمصالح الوطنية، والتنافس الاستراتيجي، والنفوذ الجيوسياسي على حساب الأعراف القانونية الراسخة والمؤسسات الدولية.
وفقا لتحليل روزا بروكس، أستاذة القانون والسياسة في كلية الحقوق بجامعة جورج تاون، نشرته فورين بوليسي، لعقود، دأبت الحكومات على تبرير أفعالها المثيرة للجدل بالاستناد إلى المبادئ القانونية، والالتزامات التعاهدية، والأطر الدولية.
حتى عندما انتهكت الدول الأعراف المقبولة، كانت تسعى في كثير من الأحيان إلى إيجاد مبررات قانونية لسلوكها. أما اليوم، فيبدو أن العديد من القادة السياسيين أقل اهتمامًا بالحفاظ على هذا المظهر، مما يشير إلى تحول أوسع نحو عالم تُهيمن عليه القوة أكثر من القواعد.
أثار هذا التحول تساؤلات جوهرية حول مستقبل القانون الدولي، والحوكمة العالمية، والنظام الدولي القائم على القواعد الذي أُرسِيَ بعد الحرب العالمية الثانية.
من المبررات القانونية إلى استعراض القوة العلني
تاريخيًا، سعت الحكومات غالبًا إلى تأطير التدخلات العسكرية والسياسات الأمنية والإجراءات الدبلوماسية بلغة الشرعية.
عندما كانت الدول تشن حملات عسكرية، كانت تستشهد في كثير من الأحيان ببنود الدفاع عن النفس، أو الاعتبارات الإنسانية، أو الالتزامات التعاهدية. وعندما كانت تقع خسائر في صفوف المدنيين، كانت الحكومات عادةً ما تعرب عن أسفها وتعد بإجراء تحقيقات.
حتى الممارسات المثيرة للجدل كانت غالبًا ما تُصاحبها حجج قانونية مطولة تهدف إلى إثبات الامتثال للمعايير الدولية.
لكن في السنوات الأخيرة، بات الخطاب السياسي يُركز بشكل متزايد على القوة الوطنية والمصالح الاستراتيجية على حساب القيود القانونية.
وقد عكست تصريحات كبار القادة العالميين هذا التحول. فقد عبّر القادة السياسيون في الولايات المتحدة وروسيا والصين عن رؤى للعلاقات الدولية تُعطي الأولوية لديناميات القوة على الأطر القانونية. وقد أثار هذا الخطاب مخاوف من أن القانون الدولي يفقد تأثيره كمبدأ توجيهي في الشؤون العالمية.
النظام القانوني لما بعد الحرب وطموحاته
نشأ النظام الحديث للقانون الدولي من رحم الدمار الذي خلفته الحربان العالميتان وأهوال المحرقة.
أُنشئت مؤسسات واتفاقيات، مثل ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف، للحد من احتمالية نشوب نزاعات مستقبلية ووضع معايير مشتركة لسلوك الدول.
سعى إطار ما بعد الحرب إلى تحقيق التوازن بين السيادة الوطنية والأمن الجماعي وحقوق الإنسان العالمية. وعلى مدى عقود، ساهم هذا الإطار في انخفاض وتيرة الحروب بين الدول وشجع التعاون الدولي في قضايا تتراوح بين حفظ السلام والتنمية الاقتصادية.
خلال تسعينيات القرن الماضي، رأى العديد من المراقبين في توسع المؤسسات الدولية والآليات القانونية دليلًا على أن هياكل الحوكمة العالمية أصبحت أقوى وأكثر فعالية.
أضعفت التناقضات الداخلية النظام
على الرغم من إنجازاته، احتوى الإطار القانوني الدولي على توترات بات من الصعب التوفيق بينها.
تمثل أحد أبرز التحديات في العلاقة بين سيادة الدولة وحماية حقوق الإنسان.
يتطلب احترام السيادة عمومًا الحد من التدخل في الشؤون الداخلية للدولة. إلا أن حماية حقوق الإنسان قد تُؤدي أحيانًا إلى ضغوط للتدخل الخارجي عندما تعجز الحكومات عن حماية شعوبها.
مع توسع مسؤوليات المؤسسات الدولية، أدت هذه المبادئ المتنافسة إلى غموض قانوني وجدل سياسي. ويرى النقاد أن هذا التعقيد أتاح للحكومات فرصًا لتفسير المعايير القانونية بشكل انتقائي وفقًا لمصالحها.
وكانت النتيجة نظامًا أصبح أوسع نطاقًا، ولكنه غالبًا ما كان أقل اتساقًا في تطبيقه.
ساهمت القوى العالمية الكبرى في تآكل القانون الدولي.
لم تنشأ التحديات الراهنة التي تواجه القانون الدولي من تصرفات دولة أو زعيم بعينه.
يشير المحللون إلى سلسلة من القرارات التي اتخذتها حكومات متعددة على مدى عقود، والتي أضعفت تدريجيًا الثقة في النظام.
من الأمثلة التي تُذكر كثيرًا:
تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في كوسوفو عام 1999.الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.التوسع في استخدام عمليات الطائرات المسيّرة الموجهة.ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014.النزاعات الإقليمية في بحر الصين الجنوبي.النقاشات المستمرة حول التدخل الإنساني.
في كثير من الحالات، بررت الحكومات الإجراءات المثيرة للجدل باستخدام حجج قانونية اعتبرها النقاد انتقائية أو متناقضة.
ساهمت هذه الخلافات في تنامي الشكوك حول مدى تطبيق القواعد الدولية بشكل عادل بين مختلف البلدان والظروف.
لا تزال السيادة وحقوق الإنسان في صراع
يُعدّ أحد أكثر النقاشات استمرارًا في القانون الدولي هو متى، إن وُجد، ينبغي للدول التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى.
ظهر مبدأ “مسؤولية الحماية” كمحاولة للتصدي للفظائع الجماعية والأزمات الإنسانية. جادل المؤيدون بأن العمل الدولي قد يكون مُبررًا عندما تعجز الحكومات عن حماية شعوبها.
حذّر المعارضون من إمكانية استخدام هذه المبادئ بشكل انتقائي، مما قد يُقوّض السيادة.
ازدادت هذه النقاشات حدةً مع استناد القوى الكبرى إلى حجج إنسانية، ومخاوف أمنية، وحق الدفاع عن النفس لتبرير أفعال اعتبرها النقاد انتهاكات للمعايير الدولية.
أدى الخلاف الناتج إلى إضعاف الإجماع حول المبادئ القانونية الأساسية، وساهم في بيئة عالمية مُجزأة.
تراجع المعايير القانونية المشتركة
يُعدّ أحد أبرز الحجج بين الباحثين أن القانون الدولي اعتمد تاريخيًا ليس فقط على آليات الإنفاذ، بل أيضًا على القبول الواسع للمعايير المشتركة.
وحتى عندما انتهكت الحكومات القواعد، فقد أقرت عمومًا بأهميتها وسعت إلى تبرير أفعالها وفقًا لذلك.
ساعدت هذه العملية في الحفاظ على شرعية المؤسسات الدولية ووفرت إطارًا مشتركًا للعمل الدبلوماسي.
اليوم، يخشى العديد من المراقبين من تآكل هذا الالتزام المشترك. فمع تزايد رفض الحكومات للقيود القانونية رفضًا قاطعًا، قد تتضاءل قدرة المؤسسات الدولية على التأثير في السلوك.
لا يقتصر التحدي على الجانب القانوني فحسب، بل يشمل أيضًا الجوانب السياسية والثقافية، بما في ذلك تراجع الثقة في الأطر متعددة الأطراف وتزايد التركيز على السيادة الوطنية.
التداعيات على الحوكمة العالمية
إن ضعف القانون الدولي له تداعيات تتجاوز بكثير النزاعات الدبلوماسية. تتطلب التحديات المعاصرة، مثل تغير المناخ، وانتشار الأسلحة النووية، وتهديدات الأمن السيبراني، والأزمات الصحية العالمية، والإرهاب الدولي، تعاونًا واسع النطاق بين الدول.
غالبًا ما تعتمد الاستجابات الفعّالة على قواعد مشتركة، ومؤسسات منسقة، وأطر عمل واضحة لحل النزاعات.
يحذر صناع السياسات من أنه بدون آليات قانونية مقبولة على نطاق واسع، قد يصبح التنسيق الدولي أكثر صعوبة، وتشتدّ المنافسة الجيوسياسية.
وهذا قد يزيد من حالة عدم اليقين في الشؤون العالمية، ويجعل إدارة الأزمات المستقبلية أكثر صعوبة.