اخبار

"التفّت" على حصار كوبا.. المكسيك في مرمى "الحرب الاقتصادية الأمريكية"

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
"التفّت" على حصار كوبا.. المكسيك في مرمى "الحرب الاقتصادية الأمريكية"

تتسع الهوّة، بشكل مطرّد ومتسارع، بين الولايات المتحدة والمكسيك التي اختارت رئيستها “الالتفاف” على الحصار الأمريكيّ المطبق على كوبا، من خلال استئناف تزويد هافانا بالوقود والمحروقات، وسط مؤشرات بأن تعلن إدارة دونالد ترامب الحرب الاقتصادية على مكسيكو سيتي.

ونقلت وسائل إعلامية كوبية وفنزويلية مطلعة عن الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم تأكيدها أنّ حكومتها تعمل حاليا على صياغة آلية جديدة لاستئناف تزويد كوبا بالوقود والمحروقات وذلك من خلال إشراك شركات خاصة بدلا من الاعتماد المباشر على الشركات الحكومية.


تنويه مكسيكي بالإجراءات الكوبية لإنعاش الاقتصاد 

وتابعت شينباوم خلال مؤتمرها الصحفي اليومي أنّ مساعي حكومتها تهدف إلى تحويل ملف إمدادات الطاقة إلى سياق تجاري صرف، قائلة :”إنّ المشهد سيتطور من خلال شركات خاصة تمتلك التصاريح اللازمة لنقل الوقود إلى كوبا ونأمل أن يتم استئناف هذا التبادل قريبا كعملية تجارية”.  

وفي تصريح سياسي لافت، اعتبرت الرئيسة المكسيكية أنّ “الإصلاحات الاقتصادية” التي أدخلتها الحكومة الكوبية مؤخرا، مهمّة وشجاعة وتهدف إلى تطوير المنظومة الاقتصادية الكوبية، متعهدة بتقديم الدعم اللازم لرجال الأعمال المكسيكيين الراغبين في دخول السوق الكوبية والاستفادة من الفرص الناشئة.

وأقرت الحكومة الكوبية حزمة واسعة تشمل 176 إجراء، استوعبت توسيع دور القطاع الخاص، والسماح بتأسيس شركات خاصة كبرى، والترخيص لافتتاح بنوك خاصة، وإلغاء القيود الصارمة التي كانت تلزم المستثمرين الأجانب بالشراكة مع الشركات الحكومية. 

مناورة مكسيكية ذكية ولكن

ووفقا لمراقبين ومتابعين للشأن الاقتصاديّ، فإنّ الخطوة المكسيكية تمثل مناورة اقتصادية ذكية، لتخفيف الضغط الدولي على كوبا دون اصطدام مباشر مع واشنطن. فمن خلال إحالة العمليات النفطية إلى القطاع الخاص، تحاول مكسيكو سيتي الحفاظ على مبدأ التضامن السياسي والتعاون الاستراتيجي مع هافانا دون تعريض شركة النفط الحكومية “بيمكس” لعقوبات أمريكية مباشرة.  

ويأتي التحرك المكسيكي في ذروة أزمة طاقة خانقة تضرب الجزيرة الكوبية، حيث تسببت معدلات الإنتاج المحلي الضعيفة وتراجع الإمدادات التاريخية (ولا سيما الفنزويلية) في انقطاعات واسعة للتيار الكهربائي شملت أجزاء ضخمة من البلاد وعطلت الأنشطة الاقتصادية والخدمية الأساسية.

وحسب الخبراء الاقتصاديين، فإنّ المكسيك تراهن على ثغرة في جدار العقوبات الاقتصادية الأمريكية، تتمثل في إصدار إدارة الرئيس دونالد ترامب في فبراير 2026 ترخيصا يسمح ببيع النفط الفنزويلي للقطاع الخاص الكوبي، وذلك لدعم الشعب وليس النظام. 

وفي هذا المفصل بالذات، يشدد خطاب شينباوم على أنّ الوقود المكسيكي سيكون موجها للشركات الخاصة والفنادق والمنشآت الاستثمارية المستقلة داخل كوبا، وسيخدم الصالح العام الكوبي دون أن يمر عبر المسالك الرسمية أو أن تستفيد هافانا منه مباشرة.  

مجازفة مكسيكية خطيرة 

وعلى الرغم من هذا الالتفاف المكسيكي، حول العقوبات الأمريكية، إلا أنّ العديد من القراءات الاقتصادية تُشير إلى نقطتين في غاية الأهمية، الاولى محدودية الخطوة المكسيكية في التخفيف من وطأة الحصار الأمريكي، والثانية ردّة الفعل الأمريكية ضدّ هذا الإجراء والذي سيُقرأ لدى دوائر اتخاذ القرار في واشنطن بأنّه “تحدّ” للإرادة الأمريكية في منطقة الكاريبي. 

بالنسبة للنقطة الأولى، فتتضح محدودية الخطوة المكسيكية، في ضعف التدفقات النفطية إلى كوبا، حيث تُقدّر آخر شحنة نفط من المكسيك إلى كوبا، – وكانت في فبراير 2026- ب1500 برميل فقط، وهي شحنة أقل كثيرا من الاحتياجات الطاقية الكوبية.

محدودية الإجراء المكسيكي يتضح بجلاء أيضا من خلال الصياغة الأمريكية الذكية للأمر التنفيذي رقم 14380 ضدّ هافانا، التي تُحاسب الدول على مبدأ المعرفة بوجود وسيط بينها وبين كوبا؛ وهو ما يجعل مناورة شينباوم مكشوفة ومخاطرة تجارية واقتصادية.  

فيما يخص النقطة الثانية، أي ردود الفعل الأمريكية، فمن الواضح أنّ واشنطن بقيادة الرئيس دونالد ترامب لن تغفر للرئيسة المكسيكية هذه الخطوة، وبناء عليه فإنّ الرد الأمريكي لن يتأخر وبالإمكان استقراؤه واستشرافه في 3 أشكال كبرى.

أولا، إمكانية فرض واشنطن رسوما جمركية عقابية على الصادرات المكسيكية، وهو إجراء سيكون بمنزلة إطلاق رصاصة الرحمة على الاقتصاد المكسيكي الذي يعتمد على السوق الأمريكية والتي تحتكر وحدها 80 في المائة من صادراتها. 

ثانيا، استغلال واشنطن للمراجعة الإلزامية المرتقبة لاتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA)، والمقرر انطلاقها رسمياً في الأول من يوليو 2026 للانسحاب من الاتفاقية، وهو كابوس يقض مضاجع النخبة الحاكمة في المكسيك وكندا. 

ثالثا، ربط بقاء الولايات المتحدة بمجموعة الشروط المجحفة والقاسية ضدّ المكسيك وعلى رأسها تغيير القوانين المكسيكية التي تضمن لشركات الدولة الحفاظ على 54% من إنتاج الكهرباء، وفك الارتباط مع الصين في قطاعات السيارات والصلب والألومنيوم، وانخراط أكبر في محاربة الهجرة غير النظامية وتهريب المخدرات. 

تتحرك المكسيك بدافع الحفاظ على إرثها القومي واليساري الحاكم (حزب مورينا) الذي يعتبر دعم كوبا واجباً سياسياً ومبدأً سيادياً لا يجب التنازل عنه، إلا أنّ إكراهات الواقع السياسي وسطوة العصا الأمريكية التي قد تعصف بالاقتصاد المكسيكي الهش، من شأنها أن تدفع الرئيسة شينباوم إلى مراجعة الفكرة والإحجام عن الخطوة، والتي لن نجانب الصواب إن اعتبرناها قفزة في المجهول الاقتصادي.