نيسان ـ تُعد العظام من أكثر أجزاء الجسم ثباتاً، فهي تشكل الهيكل الذي يمنح الإنسان القدرة على الحركة والحماية والدعم طوال حياته، لكن هناك مرضاً نادراً وغامضاً يجعل هذه القاعدة تنهار تماماً، إذ تبدأ العظام بالتآكل والاختفاء تدريجياً داخل الجسم دون سبب واضح، فيما يُعرف طبياً باسم “مرض غورام-ستوت” أو “مرض العظام المتلاشية”.
ويُعد هذا المرض من أندر الأمراض المسجلة في العالم، إذ لم يتم توثيق سوى نحو 300 حالة فقط منذ اكتشافه، ما جعله لغزاً طبياً لا يزال يحير العلماء حتى اليوم وفق iflscience.
وتعود أولى الحالات الموثقة إلى عام 1838 عندما نشر الأطباء تقريراً عن شاب عُرف باسم “السيد براون”، كان قد تعرض لعدة كسور متكررة في ذراعه اليمنى، وبعد سنوات من المتابعة، اكتشف الأطباء أمراً غير متوقع، إذ لم يلتئم عظم العضد كما هو معتاد، بل اختفى بالكامل تقريباً من جسمه.
ولأن الأشعة السينية لم تكن قد اكتُشفت آنذاك، لم يتمكن الأطباء من توثيق الحالة بشكل دقيق، لكن بعد وفاة الرجل وتشريح جثمانه لاحقاً، تأكد بالفعل أن عظم العضد كان قد تلاشى بالكامل.
ومنذ اكتشاف الأشعة السينية في أواخر القرن التاسع عشر، بدأت تظهر حالات مشابهة في أنحاء مختلفة من العالم، ففي إحدى الحالات الحديثة فقدت امرأة تبلغ من العمر 52 عاماً جزءاً كبيراً من عظام مفصل الكتف خلال فترة قصيرة، ما استدعى إجراء جراحة وترقيع عظمي. كما أصيبت فتاة في الرابعة عشرة من عمرها بتآكل في فقرات العمود الفقري، وظن الأطباء في البداية أنها مصابة بالسل قبل أن يتبين أنها تعاني مرض غورام النادر.
ويستطيع المرض أن يصيب أي جزء من الهيكل العظمي، لكنه يظهر بصورة أكبر في عظام الحوض والكتفين والجمجمة والعمود الفقري.
وتختلف الأعراض من شخص لآخر، إذ قد تبدأ بآلام بسيطة أو ضعف في الحركة، بينما تكون الكسور المتكررة أو التلقائية أول علامة تحذيرية لدى كثير من المرضى.
ورغم أن الاسم يثير الرعب، فإن المرض لا يكون مميتاً في أغلب الحالات، خصوصاً عندما يصيب أجزاء غير حيوية من الجسم، إلا أن خطورته تزداد عندما يمتد إلى العمود الفقري أو عظام الصدر أو الجمجمة.
ولا يزال السبب الحقيقي للمرض مجهولاً، لكن الباحثين يعتقدون أن المشكلة ترتبط بخلل في عملية إعادة بناء العظام، وهي عملية طبيعية تحدث داخل الجسم باستمرار. فالعظام ليست أنسجة جامدة كما يعتقد كثيرون، بل تتجدد بشكل دائم من خلال توازن بين خلايا تبني العظام وأخرى تقوم بتفكيكها وإعادة امتصاصها.
وفي مرض غورام-ستوت، يبدو أن هذا التوازن يختل لصالح الخلايا المسؤولة عن تآكل العظام، فتبدأ بإزالة النسيج العظمي بوتيرة أسرع من قدرة الجسم على تعويضه، ما يؤدي في النهاية إلى اختفاء أجزاء من العظم تدريجياً.
كما طرح بعض الباحثين فرضيات أخرى تربط المرض باضطرابات في الأوعية الدموية أو الجهاز اللمفاوي، لكن أياً من هذه النظريات لم ينجح حتى الآن في تفسير جميع الحالات.
ورغم غرابة المرض، يؤكد الأطباء أن الإصابة به نادرة للغاية، وأن احتمالات حدوثه ضئيلة جداً مقارنة بغيره من الأمراض.
ومع ذلك، يبقى مرض العظام المتلاشية واحداً من أكثر الاضطرابات الطبية إثارة للدهشة، لأنه يقدم مثالاً حقيقياً على قدرة الجسم أحياناً على تدمير جزء من هيكله العظمي دون سبب واضح أو تفسير حاسم.
300 حالة فقط في العالم.. مرض يلتهم العظام دون إنذار