جمال العتّابي شكّل المعرض السنوي للرسم الذي أقامته جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين في 13 يونيو/حزيران 2026، ظاهرة فنية متقدمة من بين نشاطات وفعاليات متعددة تقوم بها الجمعية، ضمّ المعرض مئة وعشرين عملاً لرسامين من مختلف المدن العراقية، تعددت أساليبهم وتقنياتهم، وتنوعت رؤاهم ومستوياتهم.
من بين الأعمال المميزة، يتقدم عمل الفنان البصري حامد سعيد بوصفه فضاءً نفسياً تتداخل فيه الطفولة والطبيعة والحنين، ضمن بنية تشكيلية أقرب إلى الحلم منها إلى المشهد المرئي. في هذا العمل تتجلى إحدى السمات الجوهرية التي طبعت تجربة الفنان خلال السنوات الأخيرة، وهي السعي إلى بناء عالم بصري يتجاوز التمثيل الواقعي للأشياء نحو استعادة أثرها العاطفي والوجداني في الذاكرة. وتكشف السيرة الذاتية لحامد سعيد، عن تجربة فنية ناضجة ومتواصلة، تمتد بين الممارسة الأكاديمية، والتشكيل، والسينوغرافيا، والتصوير الفوتوغرافي، مع حضور فني واضح، وهو ما يمنح أي قراءة نقدية لأعماله سنداً معرفياً مهماً.
يستوقف المتلقي ذلك الحضور الإنساني المركزي، طفلة تتوسط السطح التصويري، ليست شخصية مكتملة الملامح، أو محددة الهوية، بل كائن عابر يطفو بين كثافة اللون وفراغ اللوحة. الوجه شبه دائري، والعينان غائبتان تقريباً، فيما تتوهج نقطة حمراء صغيرة عند الفم لتصبح العلامة الأكثر حضوراً في الوجه. هنا يتعمد الفنان تحرير الشخصية من فرديتها لتصبح رمزاً عاماً للطفولة. ليؤكد أن الهوية لا تكمن في الملامح، بل في الإحساس الذي يشعه الكيان الإنساني داخل اللوحة. اللوحة لا تقدم مشهداً وصفياً لطفلة وسط حديقة أو بستان، وهو ما يمنحها بعداً تأويلياً وحضوراً رمزياً الاختزال والاقتصاد البصري في استثمار البياض بوصفه عنصراً إنشائياً فاعلاً. فالفراغات البيضاء الواسعة تتيح للأشكال أن تتنفس، وتمنح التكوين انتماءً أقرب إلى صفحات دفاتر الرسم الأولى، أو إلى الرسوم التي ما تزال في طور التشكل. هذه السمة ترتبط بوعي الفنان بطبيعة المادة اللونية المائية، وما تمنحه من شفافية وتلقائية، حيث تبدو الخطوط أحياناً وكأنها ملاحظات سريعة، أو ذكريات بصرية لم تكتمل بعد. أما العناصر المحيطة بالشخصية فتبدو أقرب إلى إشارات نباتية منها إلى أشجار، أو أزهار محددة. دوائر لونية معلقة فوق سيقان رفيعة، تتوزع في فضاء اللوحة مثل كائنات صغيرة، أو لعب وبالونات أو رؤوس نباتات متخيلة. هذا التردد بين النباتي والزخرفي والطفولي يمنح العمل طابعه الشعري الخاص، إذ لا تعود الطبيعة موضوعاً للرسم، بل تتحول إلى لغة رمزية تستدعي فكرة النمو والبراءة والتجدد. الأخضر بتدرجاته المختلفة، يحتل مساحة واسعة من اللوحة، مقترناً بالأزرق الفيروزي والأصفر الذهبي والبرتقالي الدافئ. إنها ألوان تتجنب الصدام الدرامي لصالح التناغم والإيقاع الهادئ. ليتشكل منها (هارموني) لوني أقرب إلى الموسيقى. يعتمد بناء العمل على مبدأ التوازن بين الكتلة والرشاقة. فالشخصية الداكنة نسبياً في الوسط تؤدي وظيفة المحور البصري الذي تتجمع حوله العناصر الأخرى، بينما تعمل الدوائر الملونة المنتشرة في أنحاء اللوحة على تفكيك هذه المركزية ومنعها من التحول إلى ثقل بصري. وهكذا يتحقق نوع من الإيقاع الذي يقود العين في حركة مستمرة بين المركز والأطراف. تكشف اللوحة عن وعي واضح بقيمة العفوية واللا اكتمال، بوصفها قيمة جمالية قائمة بذاتها. تضع تجربة حامد سعيد ضمن اتجاهات معاصرة.. إذ تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تخفي نظاماً دقيقاً من العلاقات اللونية. على المستوى الدلالي يمكن قراءة العمل بوصفه استعادةً لطفولة مفقودة، أو محاولة للإمساك بلحظة نقية قبل أن يطالها الضياع. فالطفلة المحاطة بعالم من الألوان، تبدو وكأنها تقف عند الحد الفاصل بين الواقع والحلم، بين ما نتذكره وما نتخيله. استطاع الفنان من تحويل أبسط المفردات البصرية إلى خطاب لوني كثيف. فالتكوين لا يعتمد على التعقيد التقني أو الإبهار الشكلي، وإنما على حساسية عالية تجاه اللون والفراغ والإيقاع. ومن هنا تنبع فرادته، إذ يقدم نموذجاً للرسم بوصفه فعلاً تأملياً يستعيد العلاقة الأولى بين الإنسان والطبيعة والذاكرة. لهذا تبدو اللوحة أقرب إلى قصيدة بصرية مفتوحة، تتجاور فيها الطفولة والطبيعة والحنين في مشهد تتجاوز قيمته حدود الوصف نحو أفق إنساني أكثر رحابة وعمقاً.
كاتب عراقي