اخبار

هل يستقيم الحديث عن تدخل سوريا في لبنان

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
هل يستقيم الحديث عن تدخل سوريا في لبنان

منذ أن أعلن ترامب في قمة السبعة الكبار G7 في فرنسا، أواسط الشهر الجاري، أنه بصدد إقناع إسرائيل القبول بإشراك القوات السورية في الحرب ضد حزب الله، والنقاش لا يهدأ في الإعلام وعلى شبكات التواصل الاجتماعي حول واقعية ما يذهب إليه ترامب. فما قاساه الشعبان اللبناني والسوري من حقبة حكم آل الأسد لسوريا واحتلال لبنان، لم يصبح ذاكرة بعد. ومن المؤكد أن البلدين سيحتاجان إلى الكثير من الجهد والوقت ليتمكنا من تجاوز تركة الأسديين. ولكل منهما ظروفه وطريقه للتخلص من هذه التركة، إذ أنهما ليسا “شعب واحد في بلدين” كما كان يريدهما حافظ الأسد.

 

كان من الصعب على نشطاء شبكات التواصل أن يصدقوا أن الإدارة الأميركية التي تعرف تفاصيل الواقع السوري واللبناني والعلاقة بينهما، يمكن أن تطرح مثل هذا الإقتراح. ولم يغير في الأمر كثيراً تعليق الرئيس السوري على اقتراح ترامب وقوله إنه فُهم على غير حقيقته، وإن ترامب لا يطلب من سوريا إدخال قواتها إلى لبنان للمشاركة في مجابهة حزب الله. 

نفي الشرع طلب ترامب منه إدخال قواته إلى لبنان، يمكن بالطبع تحليله ومناقشته على ضوء مصلحة سوريا الفعلية في عدم الإنصياع إلى رغبة ترامب، الذي حرص على التذكير بدوره في تثيت دعائم الحكم الحالي. لكن هذا النفي يأخذه الجميع بحرفيته كما هو، إذ لا يتوفر ما يدحضه في الواقع حتى الآن. الطرفان الوحيدان اللذان لا يصدقان هذا النفي، وكل لأسبابه المختلفة عن بعضها ظاهرياً على الأقل، هما محور الممانعة وإسرائيل. 

حزب الله ومحوره الإيراني الممانع لم يكن ينتظر طلب ترامب هذا من الحكم السوري الحالي. فالمتابعون لما يدور في هذا المحور منذ أن سقط حكم الأسد، لا بد أنهم لاحظوا أنه كان يروج بين صفوف “بيئته” الشيعية أن سوريا الشرع تستعد لغزو لبنان للثأر من حزب الله والشيعة عموماً. 

 

ومنذ يومين، قام البوليتولوغ الروسي المعارض عباس غالياموف بنشر نص على موقعه في الفايسبوك، تحدث فيه كيف يتعمد الرسميون الإيرانيون تغذية الفتنة السنية الشيعية. 

عباس غالياموف الذي كان يكتب خطابات بوتين حين كان رئيساً للوزراء، نشر في 23 الجاري على موقعه في الفايسبوك نصاً تحدث فيه عن الضربات التي وجهها النظام الإيراني إلى دول الخليج بحجة وجود القواعد العسكرية الأميركية فيها. 

أشار غالياموف في نصه إلى أن جميع الدول الخليجية كانت ، بهذا الشكل أو ذاك، تتعاون مع إيران وتساعدها عل تجاوز العقوبات، “وبالتأكيد لا يمكن اعتبارها أعداء لها”. ويقول بأن ضرب هذه الدول فقط لأنه يحقق مصلحة ما لإيران، هو بلا شك عمل دنيء ولا يشبه سوى ضرب قابيل لأخيه التوراتي هابيل. 

نقل غالياموف عن رئيس مركز البحوث العسكرية الإيراني أحمد رضا بوردستان، أنه في محاولة لتبرير تصرفات رؤسائه، صرح في 23 الجاري بأن بعض الدول العربية قدّمت دعماً مالياً كبيراً لإسرائيل خلال حرب العام الماضي مع إيران، وزعم أنها غطّت الجزء الأكبر من تكاليف إسرائيل. وهدف العرب كما يراه الباحث العسكري الرئيسي، ليس أقل من تطهير المنطقة من الشيعة. “فالعرب في النهاية من السنة”.

 

ووفق هذا المنطق، يستنتج غالياموف أنه بما أن السنة يسعون إلى تصفية الشيعة، فمن الطبيعي أن يسعى الشيعة بدورهم إلى تصفية السنة. ويبذل المتشددون الإيرانيون قصارى جهدهم لإثبات أنه ما دام نظام الجمهورية الإسلامية قائماً، فلن تنعم المنطقة بالسلام أبداً.

الإيرانيون ومحورهم الممانع ليسوا بحاجة لتصديق نفي الشرع، إذ ليس من مصلحتهم ألا تكون سوريا مستعدة للغرق في المستنقع اللبناني.

إسرائيل بدورها هي الطرف الآخر الذي ليس من مصلحته تصديق نفي الشرع، وستكون كالإيرانيين ومحورهم الممانع، فيما لو أثبتت الوقائع كذب هذا النفي، ودخلت القوات السورية لبنان للثأر من حزب الله.

موقع يديعوت احرونوت الناطق بالروسية vesty نشر في 24 الجاري نصاً عنونه بالقول “إسرائيل تخشى دخول القوات السورية إلى لبنان: نتنياهو يدعو إلى اجتماع طارئ”. 

استهل الموقع نصه بالقول إن الرئيس الأميركي أعرب مراراً عن استعداده لتوسيع دور سوريا في الحرب ضد حزب الله في جنوب لبنان. وتخشى إسرائيل من أن تحاول دمشق نشر قواتها هناك.

 

أشار كاتب النص المعلق في الصحيفة إيتامار ايشنار أن نتنياهو يعقد في 24 الجاري اجتماعاً أمنياً مصغراً بشأن الوضع في سوريا ولبنان، وسط تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول إمكانية نشر قوات سورية في لبنان. وقال إن إسرائيل تعارض بشكل قاطع وجود القوات السورية في لبنان، وتخشى أن تتجه دمشق نحو ذلك. ولهذا السبب تحديداً، يعقد نتنياهو هذا الاجتماع استعداداً لمثل هذا السيناريو.

نقل المعلق عن تصريح ترامب لشبكة فوكس نيوز إعرابه عن خيبة أمله من عجز إسرائيل عن “إبعاد حزب الله” عن الحدود. كما أشار ترامب إلى أن الجيش الإسرائيلي “لا يستطيع فعل أي شيء من دون تدمير المباني”، وأضاف بإنه على وشك توسيع صلاحيات الرئيس السوري أحمد الشرع والسماح لقواته بدخول جنوب لبنان لمحاربة حزب الله. كما نقل عن الشرع تعليقه على تصريح ترامب بالقول أن الرئيس الأميركي أعرب عن قلقه إزاء ما يجري في لبنان ويسعى لوقف الحرب. والرئيس الأميركي تحدث في تصريحه عن دور سوريا في إيجاد حل آمن، لكن البيان أسيء فهمه على أنه يعني أن سوريا تخطط لغزو لبنان غداً. وأشار إلى تأكيد الشرع بأنه على استعداد للجلوس مع حزب الله على طاولة واحدة إذا كان ذلك يستجيب لمصلحة سوريا ولبنان، وأن الشيعة في لبنان بحاجة إلى الطمأنينة وليس إلى مخاوف إضافية وصراعات. كما نقل عنه قوله إنه من أجل السلام الحقيقي مع إسرائيل يجب خلق الشروط الموضوعية، وحزب الله ينتزع من الدولة اللبنانية صلاحية اتخاذ قرار السلم والحرب. 

 

مع أن الصحيفة تنقل نفي الشرع بحرفيته، إلا أن إسرائيل ترفض الوثوق بكلامه وتستعد لفتح جبهة حرب جديدة مع سوريا. ومحور المقاومة يرفض تصديق نفي الشرع نيته إدخال قواته إلى لبنان، ويستغل كلامه في التسويق لفتنة سنية شيعية. 

مواقع الإعلام الأخرى، وعلى اختلاف اتجاهاتها وهويتها الوطنية، تأخذ نفي الشرع كما هو، وتبحث عن الأسباب الموضوعية لرفض الشرع الإنصياع إلى دعوة ترامب. 

وكالة INTERFAX الروسية نقلت في 15 الجاري عن مستشار الرئيس السوري أحمد زيدان رده على العرض الأميركي، بالقول إن الحكومة السورية لا ترغب في التدخل العسكري. وقد يلجأ بعض الأطراف الدوليين إلى النهج العسكري، لكن هذه الإجراءات أثبتت عدم جدواها في المنطقة.

موقع haqqin الأذري، وفي نص نشره في 20 الجاري، نقل عن الناطق بإسم الرئيس السوري المذكور، رفض الحكومة السورية لاقتراح ترامب. ونقل عن الخبير التركي بشؤون الشرق الأوسط حسن أوكتاي رأيه، بأن إقتراح ترامب لا يتوافق مع الظروف الواقعية في المنطقة. وأشار الخبير إلى أن عملية إسرائيل في لبنان تركت تأثيراً سلبياُ على التوافق الأميركي الإيراني. ولذلك يسعى ترامب وهو يقترح أن تحارب سوريا حزب الله، من جهة إلى حماية إسرائيل، ومن جهة أخرى إلى احتواء إيران.