لندن ـ «القدس العربي»: تتفاقم أزمة التغير المناخي سريعاً على كوكب الأرض، حيث بدأ البشر في تسجيل العديد من الظواهر الطبيعية المتطرفة وغير المعهودة، ومن بينها تسجيل مستويات قياسية للحرارة في القارة الأوروبية التي لطالما ظلت تتمتع طوال العقود الماضية بأجواء معتدلة وجذابة.
وبحسب ما رصدت «القدس العربي» فقد شهد العالم خلال الأيام الماضية ظواهر جوية قاسية، كان على رأسها موجات حر شديدة ضربت بريطانيا وأوروبا، وعاصفة غبار صحراوية ضربت الولايات المتحدة، فيما يحذر الخبراء من أن هذه الظواهر المتطرفة باتت تشكل وضعاً طبيعياً جديداً.
وعانى مليارات البشر حول العالم الأسبوع الماضي من وطأة ظواهر جوية قاسية واستثنائية، ففي المملكة المتحدة وأوروبا، شهدت القارة موجات حر حارقة، حيث وصلت درجات الحرارة بالفعل في بعض المناطق إلى 46 درجة مئوية، وهو مستوى لم يسبق أن عرفه الأوروبيون من قبل في تاريخهم.
وداهمت سحابة ضخمة من الغبار القادم من الصحراء الكبرى الولايات المتحدة، وغطت ولايات بأكملها، كما يتوقع أن تؤثر أيضاً خلال الأيام المقبلة على مناطق أمريكية مختلفة.
كما تعاني أجزاء من الهند وباكستان من درجات حرارة تتجاوز 46 درجة مئوية لفترات طويلة، ما أدى إلى إغلاق المدارس.
ووفقاً لهيئة الأرصاد الجوية البريطانية هناك عدة عوامل متداخلة لهذه الظواهر الطبيعية، بما في ذلك أزمة التغير المناخي.
وأوضحت الهيئة أن «عدد الظواهر الجوية المتطرفة التي تتسبب في خسائر في أي عام معين يتأثر بعوامل بشرية متغيرة – مثل النمو السكاني وتوسع البنية التحتية – فضلاً عن التباين الطبيعي للمناخ».
وأضافت: «هناك أدلة تشير إلى تغير وتيرة حدوث بعض أنواع الظواهر المتطرفة، ولا سيما موجات الحر الشديد وهطول الأمطار الغزيرة، في حين لوحظ انخفاض في الظواهر المرتبطة بالبرد الشديد».
وأصدرت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية تحذيراً باللون الأحمر (أقصى درجات التحذير) بشأن الحرارة الشديدة، مع تسجيل درجات الحرارة مستويات قياسية وتحطيم الرقم القياسي التاريخي لشهر حزيران/يونيو.
وبعد عواصف رعدية قوية اجتاحت جنوب إنكلترا بدأت درجات الحرارة في الارتفاع، حيث وصلت العظمى إلى 37 درجة مئوية في جنوب إنكلترا و35 درجة مئوية في جنوب شرق ويلز، ثم ارتفعت لاحقاً ووصلت إلى أربعين درجة مئوية.
وقال مارك سيداواي، نائب كبير خبراء الأرصاد الجوية في الهيئة: «تُخصص التحذيرات الحمراء للظواهر الجوية الأكثر شدة، ونحن نتوقع تأثيرات قوية وكبيرة جراء موجة الحر هذه، بما في ذلك تداعيات صحية قد تطال الكثيرين، وليس فقط الفئات الأكثر عرضة لمخاطر الحرارة في الظروف العادية».
وأضاف: «كانت المرة الأخيرة التي سجلت فيها المملكة المتحدة درجات حرارة مرتفعة كهذه في تموز/يوليو 2022، إلا أن ارتفاع الحرارة هذه المرة صاحبها ارتفاع في نسبة الرطوبة». وتعاني أوروبا من موجة حر شديدة ناجمة عن «قبة حرارية»، ما أدى إلى ارتفاع درجات الحرارة في بعض أنحاء القارة لتصل إلى 46 درجة مئوية، وسط تزايد أعداد الوفيات وتصاعد مخاطر وقوع كوارث.
ويعود الارتفاع الحاد في درجات الحرارة إلى كتلة هوائية ساخنة تتحرك شمالاً من الصحراء الكبرى، مدفوعة بنظام ضغط جوي مرتفع وقوي يُعرف باسم «المرتفع الجوي الأفريقي».
ويشير خبراء الأرصاد الجوية إلى أن هذا النظام يتسبب في تشكّل ما يُعرف بـ«القبة الحرارية»، التي تحبس الهواء الساخن فوق غرب ووسط أوروبا، ما يؤدي إلى تصاعد درجات الحرارة يوماً بعد يوم.
وفي فرنسا، لقي 40 شخصاً حتفهم غرقاً – في مأساة مؤلمة- أثناء محاولتهم التخفيف من وطأة الحر.
وقد حذرت خلية الاستجابة للطوارئ الحكومية السكان من محاولة تبريد أجسادهم في أماكن غير خاضعة للرقابة، مثل البحيرات والأنهار، وذلك عقب حوادث الغرق التي وقعت خلال عطلة نهاية الأسبوع، والتي شملت وفاة فتاة تبلغ من العمر 13 عاماً.
وتواجه الهند وباكستان منذ أسابيع موجة حر شديدة، حيث تتجاوز درجات الحرارة بانتظام حاجز الـ40 درجة مئوية.
وقد صدرت أوامر بإغلاق المدارس في نحو نصف ولايات الهند الثماني والعشرين حتى نهاية شهر حزيران/يونيو، وذلك لحماية الأطفال من الحرارة الحارقة.
وعلى الرغم من أن الهند وباكستان تشهدان عادةً فترات طويلة من الحرارة المرتفعة، إلا أن الموجة الحارة التي تضرب المنطقة هذا العام تُعد «استثنائية ومختلفة تماماً»، وذلك وفقاً لما ذكره الباحثان أولوفيمي إي. أديري وسارة بيركنز-كيركباتريك من الجامعة الوطنية الأسترالية.
وفي مقال نُشر على موقع «ذا كونفرسيشن» أوضح الباحثان: «أحد الأسباب التي جعلت الوضع سيئاً للغاية هذا العام هو استمرار أنظمة الضغط الجوي المرتفع».
وأضافا: «عندما تستقر هذه الأنظمة في مكانها، فإنها تزيد من احتمالية حدوث موجات حارة من خلال كبح تشكّل السحب وتقليل فرص هطول الأمطار الملطفة للجو».
وتابعا: «في هذا العام، بقيت أنظمة الضغط الجوي المرتفع القوية مهيمنة على أجزاء من الهند وباكستان، ما أدى إلى حبس الهواء الساخن بالقرب من سطح الأرض والسماح لدرجات الحرارة بالارتفاع والتراكم على مدى أيام عديدة».
وقال الباحثان: «مع قلة الأمطار، تزداد الحرارة عند مستوى سطح الأرض وتجف التربة».
وأضافا: «تؤدي التربة الجافة إلى تفاقم الوضع؛ إذ تُستهلك كمية أقل من الحرارة في تبخير الرطوبة الموجودة في التربة، بينما تذهب كمية أكبر منها لتسخين الأرض نفسها. وغالباً ما تبقى أنظمة الضغط المرتفع مستقرة لأيام عديدة، مما يسمح بتراكم درجات حرارة شديدة الارتفاع».
وكان تقرير خطير صدر في العام 2024 قد حذر من أن هطول الأمطار الغزيرة ودرجات الحرارة الحارقة ستصبح أكثر شيوعاً خلال العقدين المقبلين نتيجة للتغير المناخي.
وقدّر العلماء أن ما يقرب من ثلاثة أرباع سكان العالم – أي حوالي 5.6 مليار نسمة – سيشهدون تغيرات جذرية في الظروف الجوية ما لم تنخفض انبعاثات الكربون.
ووجد الخبراء أن منطقة واسعة تشمل إسبانيا وإيطاليا والمغرب وبيرو والهند وباكستان والمملكة العربية السعودية من المتوقع أن تشهد زيادات «واضحة وسريعة» في درجات الحرارة ومعدلات هطول الأمطار.
وحتى في ظل السيناريو الأكثر تفاؤلاً، سيتأثر أكثر من 1.5 مليار شخص حول العالم بموجات حر لا تطاق، وفيضانات مفاجئة، وغيرها من الظواهر الجوية القاسية.