اخبار

ما أبرز الرسائل التي حملها الدور الأول لمونديال 2026؟

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
ما أبرز الرسائل التي حملها الدور الأول لمونديال 2026؟

لندن ـ «القدس العربي»: بصرف النظر عن المشاكل التنظيمية التي كانت متوقعة من قبل ركلة البداية، رسخّت بطولة كأس العالم 2026 حقيقة ما قاله المطرب المصري الشهير إيهاب توفيق في منتصف التسعينات «الأيام الحلوة بتعدي في ثواني»، وذلك بطبيعة الحال بعد مرور أيام مرحلة المجموعات بسرعة تحاكي قطار «الرصاصة» الياباني الذي يسير بسرعة تتجاوز الـ300 كلم في الساعة الواحدة، كأننا بالأمس بحد أقصى كنا نشاهد المباراة الافتتاحية التي حسمها المنتخب المكسيكي بكل سهولة وأريحية على حساب ضيفه الجنوب أفريقي بثنائية نظيفة، قبل أن تتابع الأحداث والمواقف واللحظات التاريخية، التي شكلت الصورة أو الانطباع العام عن جُل المنتخبات المشاركة في مرحلة المجموعات، ما بين منتخبات تبارت في التكشير عن أنيابها منذ اللحظة الأولى، وأخرى استغرقت بعض الوقت من أجل دخول أجواء المونديال، وبينهما ظهرت منتخبات من دول العالم الثاني والثالث في عالم كرة القدم بصورة فاقت كل التوقعات، والعكس بالنسبة لمنتخبات أخرى تملك الكثير من الإمكانيات المواهب اللامعة وتتواجد في مراكز متقدمة في تصنيف الفيفا، لكنها لم تترجم ذلك على أرض الملعب، منها بالطبع منتخبات عربية، كان يتوقع منها على أقل تقدير تجاوز مرحلة المجموعات، في ظل هدايا رئيس الفيفا جاني انفانتينو، بإعطاء الفرصة لثمانية منتخبات من أصحاب المركز الثالث في المجموعات الـ12، والسؤال الذي يفرض نفسه مع وصولنا إلى الأمتار الأخيرة في مرحلة مجموعات المونديال هو: من يا ترى أثبت بشكل عملي أنه يملك من الجودة والمقومات ما يكفي لحجز مكانه في المربع الذهبي؟ ومن الحصان الأسود الذي بدأت تكتمل ملامحه؟ وغيرها من الأسئلة والرسائل التي حملها الدور الأول لكأس العالم.

الأوفر حظا

صحيح هناك العديد من المنتخبات لفتت الأنظار بطريقة مثيرة للإعجاب في مرحلة المجموعات، لكن بضمير مستريح يمكن القول إن هناك ما بين 4 لـ5 منتخبات، أظهرت أنها تكاد تملك كل المقاومات اللازمة للذهاب بعيدا عن المعترك العالمي من جودة عالية وعمق في التشكيلة ورغبة جامحة في سحق المنافسين، والأهم العقلية الحديدية القادرة على تجاوز اللحظات الصعبة، كمؤشرات أولية لإقناع الخبراء وعتاولة التحليل بأنهم تعاملوا مع مباريات مرحلة المجموعات، بطريقة العدائين الذين يحافظون على طاقتهم قبل تقديم التضحيات اللازمة في الجولة الأخيرة، ما يعني عزيزي القارئ أن هذه المنتخبات التي سنسلط الضوء عليها، لم تصل إلى أفضل مستوياتها الكروية حتى وقت كتابة هذه الكلمات، كنوع من أنواع التوفير لطاقة اللاعبين، قبل أن يتسابقوا في تقديم التضحيات اللازمة أمام منافسين أقوياء في مراحل خروج المغلوب، ويأتي في مقدمة هؤلاء بطل نسخة 2018 ووصيف النسخة الماضية منتخب فرنسا، الذي استهل مشواره المونديالي بإسقاط السنغال بثلاثية مقابل هدف، كأفضل رد على صدمة المباراة الافتتاحية لمونديال كوريا الجنوبية 2002، وتبعها بثلاثية أخرى نظيفة على حساب منتخبنا العراقي، في مباراة حاول خلالها منتخب «أسود الرافدين» الخروج بأقل الخسائر أمام «الديوك» في الشوط الأول، وهو ما نجح رجال المدرب الأسترالي غراهام أرنولد فعله في أول 45 دقيقة، قبل أن يحدث الانهيار الكبير في الشوط الثاني، بانكشاف الفوارق الفنية والبدنية بين المنتخبين، حتى بعد الاستراحة الطويلة التي امتدت لحوالي ساعتين بين الشوطين الأول والثاني بسبب سوء الأحوال الجوية، حيث يتسلح المنتخب الفرنسي بالرابطة القوية التي تجمع المدرب ديدييه ديشان بهذه المجموعة، كأن الرجل الذي يحكم سيطرته على منصبة القيادة الفنية لمنتخب بلاده منذ العام 2012، يتحكم في كيليان مبابي ورفاقه عن بعد على طريقة البلاي ستيشن، أحيانا تجد الفريق يدافع بخطوطه الثلاثة، كنوع من أنواع الخداع للمنافس حتى يفتح خطوطه ويتقدم إلى الأمام، وأحيانا أخرى يكثف من ضغطه وحصاره بدون توقف، وهذا ما يُقال عنه «التحكم المطلق» في مجريات الأمور، متسلحا بذاك المزيج الرائع بين أصحاب المعدلات البدنية العالية وبين المواهب القادرة على صنع الفارق في غفلة عين، متمثلة في ثنائي الخط الدفاع بين ويليام ساليبا، وهو واحد من أفضل مدافعي العالم والدوري الإنكليزي الممتاز في آخر موسمين على أقل تقدير، استنادا إلى النسخة المبهرة التي يبدو عليها مع فريقه آرسنال، ومعه قلب دفاع بايرن ميونخ دايو أوباميكانو، وعلى اليمين جوكر دفاع برشلونة جول كوندي، وعلى اليسار لوكاس ديني، وفي الوسط والهجوم حدث ولا حرج عن المبدعين وأصحاب اللمسة الإبداعية الذين يصعب تواجدهم في فريق واحد، لعل أبرزهم على الإطلاق هذا المونديال، هو ساحر العصر الحالي مايكل أوليسي، الذي بدوره يثبت من مباراة لأخرى أنه مشروع جائزة «بالون دور» على المدى المتوسط، كموهبة نقية أقل ما يُقال عنها هاربة من زمن زين الدين زيدان وخوان رومان ريكيلمي ودينيس بيركامب وباقي أساطير المركز رقم (10) في بداية الألفية وما قبلها، وهذا الأمر يتجلى في المتعة البصرية التي يقدمها للمشاهد المحايد كلما تسلم الكرة في وسط الملعب المنافس، مقدما نفسه بالعامية المصرية في صورة «شجيع السيما»، الذي يتفنن في إذلال المنافسين، وهو ما يفعله جناح بايرن ميونيخ في أي مواجهة مباشرة مع منافسي الديوك، والمثير للإعجاب أنه لا يبالغ في الاعتماد على الحل الفردي، بل يطوع هذه الموهبة المتفجرة لخدمة الأداء الجماعي ومصلحة الفريق.
وإذا افترضنا أن هذا الأوليسي، لم يكن في يومه في إحدى المباريات الإقصائية، سيكون هناك أفضل لاعب في العالم العام الماضي عثمان ديمبيلي، هو الآخر من الأسماء القادرة على صنع الفارق في الأوقات الصعبة، خاصة بعدما أظهر تألقه على أجواء المونديال، بتلك النسخة البراقة التي كان عليها أمام المنتخب العراقي، بعد الانتقادات التي تعرض لها في ردود الأفعال على مواجهة «أسود التيرانغا»، وعلى اليسار صاحب السرعة الجنونية برادلي باركولا، الذي يلعب دورا جوهريا في التحولات الخاطفة من الحالة الدفاعية إلى الهجومية رفقة القائد المُلهم كيليان مبابي، الذي يبصم على مونديال أقل ما يُقال عنه مميز، استكمالا للتاريخ الذي صنعه لنفسه ولمنتخب بلاده منذ مشاركته الأولى في مونديال روسيا، ثم بالنسخة النارية التي كان عليها في قطر، وبالأخص في المباراة النهائية التي خرج منها بثلاثة أهداف (هاتريك) في شباك التانغو الأرجنتيني، بخلاف نجاحه في التسجيل في الركلات الترجيحية لتحديد هوية البطل، ولعل من شاهد أول مباراتين للديوك، لاحظ أن مبابي يلعب ومعنوياته في عنان السماء، عكس النسخة الباهتة التي كان عليها مع ريال مدريد في نهاية الموسم، ولهذا يتعرض في هذه الأثناء لبعض الانتقادات المدريدية، لظهوره بهذا المستوى الرائع مع منتخب بلاده، وبالطبع إذا حافظ على نفس الشراسة ورغبته في تقديم أفضل ما لديه في كل مباراة، سيستمر في منافسة ليونيل ميسي على جائزة هداف المونديال، وأيضا اللقب الشرفي كأفضل هداف في تاريخ كأس العالم، بعد وصوله لهدفه الرابع في هذه النسخة والسادس عشر في تاريخ مشاركته في أعرق بطولات العالم، مقابل خمسة أهداف للبرغوث في هذه النسخة من أصل 18 هدفا في 6 مشاركات مونديالية، وعلى مستوى العمق في التشكيلة، نجد أن المدرب المحلي ديشان، يملك بدائل على نفس مستوى الأساسيين، مثل توافر إبراهيم كوناتي على مقاعد البدلاء، وأورلين تشواميني، وزائير إيمري، وديزيري دوي والمخيف ريان شرقي، وأسماء أخرى قادرة على تقديم الإضافة والدعم البشري الذي يحتاجه المدرب مع الظروف الطارئة ونفاد طاقة الأساسيين في الأدوار النهائية، في ما يمكن اعتبارها بمثابة الرسالة الأولى التي حملها الدور الأول، بأن منتخب فرنسا يبقى المرشح الأول والأوفر حظا للتواجد في الدور نصف النهائي على أقل تقدير.

الملك والسحرة

بالنظر إلى باقي المرشحين لمنافسة «الديوك» على اللقب العالمي، سنجد أن الاختيارات البارز على الساحة لا تزيد على 4 أو 5 منتخبات بحد أقصى، أبرزها حامل اللقب منتخب الأرجنتيني، الذي يتسلح بعصارة خبرة الفضائي ليونيل ميسي، ومعه جُل الأصدقاء الأوفياء الذين ساهموا في التتويج بالمونديال الشرق أوسطي قبل قرابة الأربع سنوات، لكن من الواضح أن البرغوث لا يريد إنهاء مشواره مع راقصي التانغو بطريقة تقليدية، ويظهر ذلك بوضوح في الحالة المزاجية التي يبدو عليها منذ اللحظة الأولى أمام الجزائر، معيدا إلى الأذهان صورة ذاك الملك الذي يطوع الكرة بالطريقة التي يريدها، خاصة عندما تتعلق عليه الآمال في الثلث الأخير من الملعب، بدعم غير مشروط من قبل زملائه، الذين يتسابقون في فتح المساحات والثغرات اللازمة أمامه، لينثر إبداعه بتلك الطريقة التي هز بها شباك محاربي الصحراء ثلاث مرات، وتبعها بثنائية في شباك منتخب النمسا، في مباراة أهدر خلالها ركلة جزاء كانت من الممكن أن تمنحه الهاتريك الثاني في كأس العالم، لكن بوجه عام، من الواضح أننا محظوظين بمشاهدة واحدة من أجمل المقتطفات التي يقدمها ليو وهو يقضي أيامه الأخيرة في مسيرته الدولية مع المنتخب الأرجنتيني، على طريقة اللقطات العالقة في الأذهان للأسطورة زين الدين زيدان وهو ينتزع الآهات في كل لمسة ومراوغة في أيامه الأخيرة في مونديال ألمانيا 2006، وهذا في حد ذاته، ينذر بأن الأرجنتين قد تكون ثاني دولة في التاريخ تنجح في الحفاظ على لقبها بعد إنجاز البرازيل في عصر الجوهرة السوداء بيليه، لكن الأمر لن يتم أو يكون بهذه السهولة، في ظل وجود منافسين آخرين أقوياء يملكون من الجودة والإرث ما يكفي لإحراج أي منتخب على هذا الكوكب، في مقدمتهم بناء على ما شاهدناه في الدور الأول، المنتخب البرازيلي الذي كان قد استهل مشواره بصورة وُصفت في بلاد السامبا بالمخيبة بالآمال، والأمر لم يكن يتعلق بنتيجة التعادل مع المغرب في حد ذاتها، بل لظهور الفريق بنسخة باهتة، خاصة في أوقات احتدام المنافسة بين المنتخبين في الشوط الأول، حيث ظهر المنتخب البرازيلي في صورة الطرف الأضعف، الذي يلعب وراء الكرة لمنع المنافس من تهديد مرمى الحارس أليسون بيكر، وهو ما دفع البعض لربط أداء السيليساو تحت قيادة الميستر كارلو أنشيلوتي، بالصورة المحفورة في الأذهان عن ريال مدريد في ولاية كارليتو الثاني، حين كان ينظر إليه باعتباره فريقه بلا هوية أو شخصية داخل الملعب، لكنه يُجيد لعبة قلب الطاولة على المنافسين على طريقة الـ«فما حاجة» الشهيرة بصوت المعلق التونسي عصام الشوالي، وذلك قبل أن تتحسن الحالة المزاجية في غرفة خلع الملابس مع عودة الفريق إلى طريق الانتصارات، بالفوز على هايتي بثلاثية نظيفة بأقل مجهود، ثم بنفس النتيجة والاستعراض على القلوب الشجاعة الاسكتلندية، في مباراة شهدت المشاركة الأولى للأيقونة نيمار جونيور بعد تعافيه من الانتكاسة العضلية التي حرمته من اللعب في أول مباراتين، ويبقى أكثر ما يميز برازيل أنشيلوتي، هي القدرة على تقديم لحظات ساحرة وهي في أسوأ لحظاتها، تماما عزيزي المشجع المدريدي مثل ريال كارليتو، معتمدا على نفس السلاح الفتاك، فينيسيوس جونيور، الذي بدوره تحول فجأة وبدون سابق إنذار للاعب منبوذ في بلاده، بالأحرى لاعب يحتاج مئات الدقائق من أجل التسجيل أو الصناعة، إلى هداف المنتخب في البطولة بأربعة أهداف، متساويا في عدد الأهداف مع الثنائي كيليان مبابي وإيرلينغ براوت هالاند، وعلى بعد هدف من البرغوث (وقت كتابة هذه الكلمات)، ومعه ماتيوس كونيا، الذي تمكن من تسجيل ثلاثة أهداف في أول 3 مباريات، مؤكدا أحقيته في حجز مكان في التشكيل الأساسي، فقط يحتاج المنتخب البرازيلي بعض الانضباط التكتيكي على المستوى الدفاعي، مع الاستمرار في التدرج الواضح في مستوى، وذلك ليعود للمنافسة على اللقب الغائب عن البلاد منذ بداية الألفية الجديدة.

مفاجآت وصدمات

تشمل القائمة المختصرة التي أظهرت قدرتها على الذهاب بعيدا في المونديال، منتخب إسبانيا، الذي خيب آمال مشجعيه في المباراة الافتتاحية أمام الرأس الأخضر، التي انتهت على نتيجة البياض، لكن بعدها عرف كيف يكشر عن أنيابه في المباراة التالية، كان الضحية هو المنتخب السعودي، الذي واجه صعوبة بالغة في إيقاف الإعصار الإسباني بقيادة لامين يامال ونيكو ويليامز على مرمى الحارس محمد العويس، في ما كانت بمثابة الرسالة الأولى، بأن الماتادور سيكون حاضرا، على غرار ما حدث مع الجار البرتغالي، الذي سقط في فخ التعادل مع ممثل المامام أفريكا الآخر الكونغو الديمقراطية، في مباراة تسببت في إحياء حملات الهجوم على الأسطورة كريستيانو رونالدو، قبل أن يتكفل هو ورفاقه بحق الرد في المباراة الثانية أمام أوزبكستان التي انتهت بخماسية نظيفة، كرسالة تحذير بأن بطل دوري الأمم الأوروبية عازم على دخول نادي الكبار الذين توجوا بكأس العالم. ونفس الأمر بالنسبة للمنتخب الإنكليزي، الذي بدأ الرحلة بانتصار مقنع على كرواتيا بأربعة أهداف مقابل اثنين، في مباراة شهدت انتفاضة إنكليزية في الشوط الثاني، لكنها بعدها عاد أصدقاء هاري كاين إلى فصولهم البارد في اختبار النجوم السوداء الغانية، كأول ناقوس خطر لاحتمال تعثر الأسود الثلاثة أمام منافسين أقل منهم من حيث الجودة والتاريخ في الأدوار الإقصائية، إلا إذا أثبت رجال المدرب توماس توخيل، أن ما حدث أمام المنتخب الغاني كان أشبه بالظرف الطارئ، تماما كما يحدث مع كثير من المنتخبات في طريقها للجلوس على عرش كرة القدم العالمية. وقبل هذا وذاك، يظهر المنتخب المغربي كمرشح فوق العادة، على الأقل لمحاكاة إنجازه التاريخي في الدوحة عام 2022، بعد الصورة المتطورة للغاية التي ظهر عليها تحت قيادة العراّب الجديد محمد وهبي، كمنتخب على قدم المساواة مع عتاولة اللعبة، في ما بدأت الصحف ووسائل الإعلام العالمية تتعامل معه، على أنه من مسلمات كأس العالم، وذلك بطبيعة الحال، وذلك ليس لتجاوز منتخب الأسود لمرحلة الشك في قدرته على مقارعة الكبار، بل للجودة العالية المتاحة في مختلف المراكز، وأيضا الشخصية القوية التي يظهر بها المنتخب، فقط يحتاج أن يُطلق رسالة التحذير الحقيقية الأولى، بإقصاء الطواحين الهولندية من الدور الثاني، معها سيحصل الفريق على الدفعة المعنوية المطلوبة للمضي قدما في المونديال، وهناك من يرى أن ألمانيا ستكون من المنافسين الأقوياء على اللقب، رغم هزيمتها أمام الإكوادور في المباراة الأخيرة في مرحلة المجموعات، كآخر المرشحين الذين أقنعوا النقاد والخبراء بقدرتهم على تقديم مستويات أفضل كلما ذهبوا بعيدا في البطولة، إلا إذا كنا على موعد مع مفاجأة جديدة على طريق كوريا الجنوبية في نسخة 2002، وكرواتيا في فرنسا 1998 والمغرب في النسخة الأخيرة.
بعيدا عن رسائل الكبار، سيكون من الصعب تجاوز المفاجآت التي أحدثت هزة في هذه النسخة، منها على سبيل المثال الخروج المبكر للمنتخب التركي من مجموعته التي كانت تضم صاحب الأرض الولايات المتحدة وأستراليا وباراغواي، إذ كانت أغلب التوقعات والترشيحات قبل البطولة تصب في مصلحة أحفاد العثمانيين، ليتصدروا هذه المجموعة، وذلك نظرا للجودة المتاحة في تشكيلة المدرب مونتيلا، وعلى رأسهم نجم ريال مدريد أردا غولر، لكن في الأخير، دفع المنتخب التركي ثمن الاستعجال والتسرع في اللمسة الأخيرة أمام المرمى، وصلت لحد خلق ما مجموعه 36 فرصة في أول مباراتين أمام أستراليا وباراغواي، دون أن يتمكن الفريق من تسجيل ولو هدف يتيم، قبل أن يستيقظ أصدقاء غولر من سباتهم العميق، بإظهار مستواهم الحقيقي بعد فوات الأوان في ليلة الفوز الدرامي على أحفاد العم سام بثلاثة أهداف مقابل اثنين، وبدرجة أقل المنتخب الكرواتي، الذي اكتفى بتقديم شوط أول جيد أمام الإنكليز، ثم بعد ذلك ظهر بمستوى متواضع للغاية في ليلة الفوز المعقد على بنما بهدف نظيف، ونفس الأمر ينطبق على منتخب بلجيكا، الذي ظهر بمستوى أقل من المتوقع في أول مباراتين أمام مصر وإيران. وعلى سيرة الفراعنة، يبقى الأداء الذي يقدمه محمد وصلاح ورفاقه، من العلامات البارزة في هذه المونديال، صحيح منتخب الفراعنة حقق الهدف المنشود في أول مباراتين، بالتعادل مع الشياطين الحمر بهدف لمثله، ثم بالفوز التاريخي على نيوزيلندا بهدف نظيف، لكن الأكثر وضوحا من النتائج، هي تلك النسخة المبهرة التي يبدو عليها المنتخب، راسما لنفسه صورة الفريق الشجاع الذي يدافع ويهاجم ككتلة واحدة، وذلك عكس توقعات الملايين من المشجعين قبل انطلاق المباراة، والدليل على ذلك الحملة الإعلانية الساخرة التي شارك فيها نجوم المنتخب قبل انطلاق البطولة، لإظهار ما يدور في رأس المحيطين باللاعبين في حياتهم الاجتماعية، بأنهم سيعودون إلى مطار القاهرة بمجرد انتهاء مباريات الدور الأول، تماما كما حدث مع نجوم جنوب أفريقيا، في البرامج الرياضية وعبر الفضائيات في ردود الأفعال بعد الهزيمة الأولى أمام المكسيك بهدفين نظيفين، قبل أن ينتفض منتخب البافانا بافانا، بالفوز على كوريا الجنوبية في الجولة الأخيرة، وسبقها بتعادل بطعم الفوز أمام المنتخب التشيكي، ليرافق المغرب ومصر ومنتخب كوت ديفوار، الذي فجر واحدة من المفاجآت المدوية في البطولة، بحصوله على بطاقة اللعب في مراحل خروج المغلوب للمرة الأولى في تاريخه، وذلك في مجموعة حديدية كانت تضم ألمانيا والإكوادور والضيف الجديد كوراساو، في انتظار حسم منتخب الجزائر لمكانه في وصافة مجموعته العاشرة بعد انتهاء مباراته مع النمسا في ختام الجولة الثالثة والأخيرة للدور الأول. بينما على مستوى الصدمات، فتبقى تونس في المقدمة، وذلك ليس لسقوطها بنتائج كارثية أمام السويد واليابان وهولندا، بل للصورة المتواضعة التي كان عليها المنتخب، في ما اعتبرها الكثير من النقاد والمتابعين في وطن نسور قرطاج، بالنتيجة الطبيعة للتخبط الإداري، الذي تسبب في تحويل منصب مدرب المنتخب إلى حقل تجارب في الشهور القليلة الماضية، ونفس الأمر ينطبق على المنتخب القطري، الذي كان بإمكانه الخروج بنتائج أفضل، بعد بدايته النارية التي أسفرت عن التعادل مع سويسرا، قبل أن تنهار المجموعة أمام كندا ثم البوسنة. أما منتخب النشامى الأردني، فقد قاتل بما يملك من إمكانيات وقدرات في أول مباراتين أمام النمسا والجزائر، لكنه افتقر للخبرة المطلوبة في هكذا مواعيد، مثل المنتخب العراقي الذي لم يبخل في العطاء والتضحية أمام النرويج وفرنسا، لكنه انهار أمام الجودة والفنيات العالية المتاحة لدى المنافسين. أما المنتخب السعودي، فيؤخذ عليه أنه بدا مستسلما تماما أمام إسبانيا، على عكس الحالة الرائعة التي كان عليها امام أورغواي في المباراة الافتتاحية، التي أعادت إلى الأذهان الفوز التاريخي على ليونيل ميسي ورفاقه في النسخة الماضية. هذه تقريبا كانت أبرز الرسائل التي حملها الدور الأول.