اخبار

ما يمكن توقعه من انتخابات الركود السياسي في الجزائر

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
ما يمكن توقعه من انتخابات الركود السياسي في الجزائر

لم يعول المواطن الجزائري يوما على الانتخابات السياسية لإحداث التغيير السياسي النوعي الذي ينتظره منذ وقت طويل في البلد، إلا في حالات قليلة ونادرة جدا. كما حصل في تجربة 1992 عندما حاول المواطن الجزائري استعمالها لإنجاز التغيير السياسي الذي طال انتظاره في ظرف أكثر من سيئ. هذا ما يخبرنا به التاريخ السياسي للبلد، قبل وبعد الاستقلال بدءا من مرحلة الحركة الوطنية التي استعملت فيها الإدارة الفرنسية الاستعمارية هذه الآلية المعروفة والمجربة بنجاح في الكثير من تجارب العالم، لتزوير إرادة الجزائريين بشكل وقح، ارتبط في ذاكرتهم السياسية بالسجن المقترن بتزوير النتائج. لحظة تكرست كقناعة لدى أجزاء مهمة من النخب السياسية الوطنية، توصلت من خلالها إلى مواقف معادية للعمل الحزبي وللعملية الانتخابية برمتها، التي ابتعد عنها المواطن الجزائري وشكك في مصداقيتها، سادت لاحقا لدى أجيال عديدة.
تجربة استمرت آثارها بعد الاستقلال في ظل الدولة الوطنية، وهي تتكرس لدى النخب السياسية الرسمية صاحبة المنبت الاجتماعي الشعبي والتجربة الحزبية ـ السياسية الضعيفة، لم تعد تمنح للانتخابات والتنافس المرتبط بها، بما في ذلك الأحزاب السياسية إلا موقعا شكليا، يمكن الاستغناء عنه بسهولة، عندما همت ببناء تجربتها السياسية بعد الاستقلال، تحولت فيها موضة استفتاءات الموافقة الخيالية والبعيدة عن الواقع – نتائج التسعين في المئة – إلى ثقافة مكرسة عادة ما يكون فيه المرشح الرسمي الفائز معروفا قبل إجراء عملية الاقتراع.

نسب المشاركة الضعيفة لم تعد تحرج السلطة القائمة التي ترفض القيام بقراءة سياسية جدية لها، بعد فشلها في تحسين مستوى المشاركة الشعبية فيها داخل المدن وبين الشباب

خلفية تاريخية أعيد التذكير بها وأنا أتكلم عن الانتخابات التشريعية التي ستجري الأسبوع القادم في 02-07-2026 خلال فصل العطل المقرون بمنافسات كأس العالم، التي تستحوذ على اهتمام الشارع الجزائري، اختارته البيروقراطية ـ البعيدة عن نبض الشارع السياسي ـ رغم ذلك لتنظيم هذا الاقتراع الذي فقد المواطن اهتمامه به منذ زمن طويل، كما تبينه يوميات الحملة الانتخابية الباهتة التي تنشطها وجوه سياسية مغضوب عليها، يغلب عليها الانتماء إلى العهد القديم، الذي كان قد ثار ضده الجزائريون أكثر من مرة، كان آخرها في فبراير 2019 بمناسبة الحراك الشعبي.
لا أجانب الحقيقة إذا قلت إن هذه الوجوه المبتذلة القادمة من العهد القديم والكثير من الوجوه الجديدة التي أنتجتها هذه التجربة السياسية المشوهة، قد نفّرت المواطن من الاهتمام بالعمل السياسي والحزبي، بما فيها العملية الانتخابية. رغم بعض الجديد الذي ظهر على مستوى قلة من الترشيحات، تمكنت فيها بعض الأحزاب من تجنيد وجوه معروفة، ركزت فيها على مؤسسات المجتمع المدني، كالنقابات والجامعة والإعلام السمعي البصري المنافس للحزب السياسي في عملية إنتاج النخب السياسية التي يحتاجها النظام السياسي. رغم الغلق الكلي – الذي ما زال يعانيه الإعلام في وجه الأحزاب والنخب التي يشتم منها الحد الأدنى من المعارضة والنقد، كما بينته تدخلات الهيئة الوطنية المستقلة للانتخابات التي استحوذت على صلاحيات العدالة في رفض ترشيحات عدة قوائم ووجوه سياسية مغضوب عليها.
معطيات تاريخية سأستعملها للكلام هذا الأسبوع عبر نوع من الاستشراف لبعض نتائج الانتخابات المتوقعة، قبيل إجراء الاقتراع، اعتمادا على هذه القراءة التاريخية للعملية الانتخابية في الحالة الجزائرية، خلال فترة الحزب الواحد والتعددية، بكل الركود الذي ميزها، لم يمنع عنها ارتباطها ببعض الهزات السياسية الحادة، التي أثرت لسنوات على استقرار المؤسسات الرسمية للدولة.
لن يكون من الصعب توقع نسب مشاركة شعبية متدنية في هذه الانتخابات، تكون عادة أكثر حضورا في المدن الكبرى والشمال، عكس الجنوب ومناطق الهضاب العليا. نسب مشاركة ضعيفة لم تعد تحرج السلطة القائمة ذاتها التي ترفض لحد الساعة القيام بقراءة سياسية جدية لها. تعودت عليها مع الوقت بعد فشلها في تحسين مستوى المشاركة الشعبية فيها داخل المدن وبين الشباب، الذي فشلت حتى الآن في إقناعه بالقبول بهذه اللعبة السياسة وفاعليها القدماء. بعد الفشل في تجديد نخبها السياسية المتصدرة للمشهد السياسي ـ الإعلامي، لنكون من المتوقع أمام مشهد سياسي قديم تسيطر داخله أحزاب السلطة ذاتها داخل مؤسسة برلمانية من دون فعالية، ستكتفي كما تعودت عليه لسنوات بالأدوار الممنوحة لها داخل هذه التجربة السياسية، التي تسيطر فيها المؤسسة التنفيذية على التشريعية، فشلت في الاستحواذ على ما يمنحه الدستور ذاته لها من صلاحيات، بعد أن تغلبت تجربة الأمر الواقع على ما يمنحه النص القانوني، رغم نقاط ضعفه البارزة التي أكدتها الممارسة السياسية أكثر من مرة فرضت على المشرع اللجوء إلى إجراء تعديلات عديدة عليه رغم قصر عمره. يمكن أن أتوقع من جهة أخرى استمرارية المشهد الحزبي نفسه داخل البرلمان، لأحزاب عبرت السلطة الفعلية على عدم الحاجة إليها، وعلى تهميش سياسي كبير لها عبر رفض حضورها السياسي والإعلامي، كما يعبر عنه التعامل اليوم من قبل مؤسسات الدولة والإعلام السمعي البصري الثقيل الذي تسيطر عليه الدولة، ما زال يمنع الحزب السياسي المعارض وشبه المعارض، وحتى الموالي من الحضور، فيما يشبه النشاط الإعلامي السياسي الذي تسيطر داخله وجوه رسمية قليلة العدد مرتبطة بمؤسسة الدولة العميقة، على حساب الحكومة وبيروقراطية الدولة في بعض الأحيان، التي فشلت المؤسسات الإعلامية في الترويج السياسي المقبول لهم، أثر سلبا على نظرة المواطن لهذه النخب الرسمية التي زاد ابتعاده عنها، داخل نظام سياسي وإعلامي تحول الحضور الإعلامي للوجه الحكومي إلى مؤشر رضى عنه، وعن أدائه من قبل المؤسسات الرسمية، يمكن أن يزول بسرعة عند أول هفوة مهما كانت صغيرة وغير مقصودة.
نتائج هذه الانتخابات التشريعية الباهتة، التي ستؤكد من جهة أخرى إمكانية غياب أحزاب سياسية عن المشهد الرسمي، بعد النتائج المتوقع الحصول عليها في هذه المشاركة التي تم فرضها عليها قانون الانتخابات، الذي هددها بالمحو من الخريطة السياسية الرسمية نتيجة سلسلة المقاطعات التي مارستها في وقت مضى، ما اضطرها إلى التسول السياسي لجلب مرشحين ليسوا في الغالب الأعم من مناضلي الأحزاب، التي حاولت أن تستفيد من هذه الحملة الانتخابية المفروضة عليها في توسيع قاعدتها الاجتماعية، التي عادت فيها إلى الانتماء العائلي المجدود، أصبح فيه من السائد أن يروج فيه القيادي الحزبي إلى الابن والبنت وابنة الأخت، مع كل الأخطار التي يمكن أن ترتبط بهذا الواقع الذي انتكس فيه العمل الحزبي إلى ما دون العرش والقبيلة ليلتصق بالعائلة الصغيرة.
حالة ستنتج عدة أزمات محتملة، يمكن أن تظهر على شكل انشقاقات لاحقة وعدم فعالية العمل البرلماني، وهو يفقد خبرة وتجربة النواب القدماء الذين منعهم القانون من الترشح لأكثر من عهدتين. سيتحول البرلمان الجديد بموجبه إلى مدرسة كبيرة لتعلم أبجديات العمل التشريعي، يغادر البرلماني موقعه داخله بعد دورتين اثنتين، لن يكون مساعدا على تراكم التجربة لدى النخب السياسية الجزائرية الضعيفة أصلا، التي فقدت مع الوقت كل تميز فكري وأيديولوجي، سيساهم في تعميق عيوب هذه التجربة السياسية الراكدة التي طالت في الجزائر.

كاتب جزائري