ما إن وقّع الطرفان مُذكّرة التفاهم، حتى بدا أنّ عقلي الذي كان مُقيّداً إلى وضعنا اللبناني الخطير (ولا يزال) داخلياً وخارجياً، تفلّت أخيراً من ذلك العقال، وبدأ يهتم بما فاته من تطوّرات على صلة بالمسألة الأساسية. وماذا عن غزّة؟ تساءلت. ما الذي جرى لها ولأهلها في الأشهر الثلاثة الماضية؟ يُخيّل إليّ اليوم أنّي لم أكن أسمع تقريباً أيّ شيء عن القطاع وأهله. ورأيت أنّ ذلك قد يكون لسبب من اثنين: إمّا الانشغال العالمي بالحرب الإيرانية الأميركية الإسرائيلية، وإمّا لأنّ الوضع تحسّن هناك، ولو قليلاً، وإمّا للسببين معاً. فلقد كنت أتابع لأيّام، مثلنا جميعاً، أخبار تطوّرات مذكرة التفاهم الأميركية/ الإيرانية المُمهِّدة لاتفاق يرجوه العالم أجمع، لأسباب ومصالح متنوّعة، وليس أبناء منطقتنا المنكوبة فقط، والذي غابت عنه فلسطين تماماً، كما غابت منذ الثاني من مارس/آذار الماضي عن اهتمام أغلب مُتابعي الإبادة منذ بدايتها في أكتوبر/ تشرين الأوّل 2023.
والأمر كان مفهوماً إلى حدّ ما لكنه بالطبع لم يكن جيّداً. فمن جهة، لقد تعب الناس، وهو تعب راهن عليه من دون شك مجرمو الإبادة. إضافة إلى أنّ إيقاع الإبادة تباطأ على ما يبدو مقارنة بالماضي، وإن لم تتوقّف. في حين أنّ المعركة حول مصير غزّة انتقلت بزخمها الأساسي إلى الصالونات السياسية،الدولية والإقليمية والأممية، ليصبح لبنان هو الساحة الأشدّ سخونة، ليس من حيث الوقائع الميدانية والسياسية فقط، بل أيضاً وخاصة من خلال مركزه في المفاوضات الإيرانية الأميركية حول إنهاء الحرب، وما رَسَتْ عليه من نتائج مُخيّبة لآمال إسرائيل وحلفائها، وإن كانت مُكلفة جداً للمحور المقابل.
فلأسابيع، كان السؤال الأساسي والجوهري والأهمّ للمتابعين هو عن شمول الصفقة لبنان من عدمه وبأيّ صيغة؟ لقد كان اسمه هو واحدة من المفردات التي سوف يترجم السياق الذي ترد به في نصّ المذكرة، ما رَسَت عليه موازين الخسارة والربح للأطراف المُتحاربة، أو لنقل للمحورين المُتحاربين وحلفاء كلّ منهما محلياً.
انتقلت المعركة حول مصير غزّة، بزخمها الأساسي إلى الصالونات السياسية، دولية وإقليمية وأممية، ليصبح لبنان هو الساحة الأشدّ سخونة
وعلى الرغم من ورود اسم لبنان في المذكّرة بما يجيب على انتظارات/ أو مخاوف لبنانيين، حسب اصطفافهم، إن كانوا من دعاة الاستفادة من الاتفاق ومظلّته الإقليمية، أو من المتضررين منه المُصرّين على نكران النتائج الواضحة كما ظهرت في النصّ، فإنّ الترجمة التي فهمتها إسرائيل من الاتفاق كانت أقرب بوضوح الى التفسير الإيراني: لم نحصل على انتصار وهم لم يهزموا، وهو ما يعني بشكل ما في عقل الرأي العام الإسرائيلي (والأميركي؟) لقد ربحوا.
هذا ما اتفقت عليه الكثير من الصحف الإسرائيلية ومراكز الأبحاث لدى الكيان، من دون ذكر قادة المعارضة كونها معارضة ومن مصلحتها المبالغة بحجم خسارة خصمهم.
هذا الاستخلاص لمعاني مذكّرة التفاهم هو ما أصاب قيادة العدو بغضب جنوني وهستيريا سرعان ما انعكسا تصعيداً دموياً على الساحة اللبنانية أجبر النازحين، الذين عادوا إلى قراهم مُبكّرين بعض الشيء رغم التحذيرات، على النكوص على أعقابهم عائدين إلى أماكن نزوحهم. وهو تصعيد ليس خافياً أنّ الغاية منه، إن لم يكن تعطيل مذكرة التفاهم التي لم يمض على توقيعها أكثر من ساعات (وهو أمر استبعده المحللون لتعارضه مع مصلحة ترامب)، فهو الحصول على إنجازات ميدانية كما في فرض منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية، قد تُضاف إلى تنسيق أمني قد يتحقّق بعد أيّام خلال الجولة الخامسة من المفاوضات في واشنطن مع السلطة اللبنانية. أي الحصول على صورة نصر تخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في انتخاباته المقبلة، وتُعيد رفع قيمته المُتدهورة في استطلاعات الرأي.
وإن كان نتنياهو يسعى لأن ينتزع، في وقت مُستقطع وفّره له ترامب بعد انتهاء “مباراة” أميركا /إيران، فرصة أخيرة لهدف نوعي، لكن لا شك أيضاً أنّ تصعيده كان اختباراً لمتانة التفاهم من جهة، ولمدى التزام إيران بما وعدت به بشأن لبنان. هكذا، وفي حين كانت المقاومة قد التزمت بوقف إطلاق النار، عادت الاشتباكات إلى حدة أعلى مما كانت عليه عشية توقيع المذكرة، وذلك في ردّ على الخروق الإسرائيلية الفادحة ومحاولات العدو احتلال المزيد من الأراضي اللبنانية. لذا، امتنعت إيران عن الحضور إلى موعد بدء المحادثات مع أميركا الذي كان مُبرمجاً أمس الجمعة، في ما بدا خطوة أولى يُنتظر أن تتبعها خطوات تصعيدية ولو أنّ المُضيف السويسري نفى أن يكون ذلك رداً على إسرائيل بل مجرّد “التزامات في شهر محرم” من دون اتضاح ما هي تلك الالتزامات.
أُصيبت قيادة العدو بغضب جنوني وهستيريا سرعان ما انعكسا تصعيدًا دموياً على الساحة اللبنانية
هكذا، عادت المُسيّرة الإسرائيلية، ومنذ أولى ساعات ما بعد التوقيع الإلكتروني، تحلّق على علو مُنخفض فوق بيروت وضاحيتها، في حين أنها لم تغب لحظة عن الجنوب والبقاع. لكن طنينها في آذان اللبنانيين كان أقرب لردةّ فعل غاضبة لخاسر ينفس عن خيبته ببضع شتائم وصراخ لا نفع منه. ثم زادت العيار مُغيرة بمسيّراتها المسلّحة، وحتى بالطيران الحربي على قرى وبلدات ومدن الجنوب وأوقعت عشرات الشهداء في حين أصابتها المقاومة بخسائر بشرية فادحة ليلة الجمعة السبت، وأفشلت تقدّمها إلى تلة “علي الطاهر” الاستراتيجية في منطقة النبطية، والتي بدا أنّ العدو يستميت لاحتلالها. لاحقاً، ومع توالي الأخبار عن مقتل المزيد من الجنود، جُنّ جنون إسرائيل وقصفت تقريباً كلّ شيء. لكن أخبار الليل لم تكن أفضل، فقد توالت الإعلانات عن “الأحداث الأمنية الصعبة” في الإعلام الإسرائيلي، ومقتل ضبّاط وجنود في كمائن ومواجهات شرسة على أرض الجنوب، ما زاد من شراسة رغبته بالانتقام. وهي رغبة ترجمها، بالطبع، جواً، تلافياً لمزيد من “الأحداث الأمنية الصعبة” براً.
هكذا، أغار بين ليل الخميس ونهار الجمعة أكثر من ثمانين مرّة، فأغار في ليلة واحدة على مناطق لبنانية تمتدّ من البقاع إلى الجنوب، لا بل إنّ وزير الدفاع الاسرائيلي دعا إلى قصف الضاحية وبيروت وتدميرهما.
وبما أنّنا في خضّم مونديال، يرجح الخبراء والمتابعون أن تستمر هذه “الركلات الترجيحية” التي أعطاها الحكم المُتحيّز ترامب لإسرائيل أياماً، قبل أن يطلق هو بنفسه صفارة النهاية. وهي ركلات يدفع ثمنها بالدماء المرمى اللبناني الأضعف، والمكشوف الدفاع داخلياً، حتى من قبل أن تنتهي المباراة.