اخبار

تطويف في ضواحي باريس

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
تطويف في ضواحي باريس

في الليل القريب من «بانيوليه»،
للضجيج نكهة السفر بين القارّات.
صوتها الناعم في أذني،
كمطر ينهمر من سطوح البنايات العملاقة حاملاً معه أحلام النبات الذي على النوافذ.
أندفع نحو غمامة الصوت،
أحاول أن أتوه بين مسارات الهواء الداكن ومصابيح السيارات،
أنا تلميذ «ساتي»، الذي لا يفقه من الموسيقى إلا صباحاتها الوردية وجبالها البيضاء المُزرَقّة ومقدرتها الفائقة على فتح دروب جديدة في مجرّات الذِّهن.
أفكّر بالشفاه النارنجية: ذكرى غير واضحة
***
آخر المدينة عتمة ودكاكين تودّ لو تغلق لولا جاذبية الكسل والهلاوس.
آخر المدينة أجسادٌ تتهاوى؛
أزقّة خارج الوقت وأصوات نَشَوات مكبوتة،
ليس خجلاً، بل إيغالاً مقصوداً في أدغال المخيّلة؛
إشعالاً محسوباً لنار زرقاء تلتهم بوداعة وهدوء آخرَ سلسلة
تربط الذهن باليوم والساعة والدقيقة.
***
قرب «بانيوليه» تتجه الرؤوس والصدور والألسنة والأطراف البشرية نحو مُتَعٍ مؤقّتة ولكنها تحمل ختم الدهور المتطاوِلة. إلى اللانهاية.
أغرق في الجمع ثم أرتدّ عنه مسرعاً صوب الأزقة الداخلية، عائداً أجرّ غنيمة الليلة:
أصواتاً وروائحَ وجماجم وحوشٍ ووشوماً على ساعديّ، لم أطلبها ولم أرفضها؛ رُسِمَت بيدٍ تمسك بطلاسم الضحك وغنج فتيات السّيرك.
تختفي بقية المدينة؛
تولَد شوارع.
والضوءُ قمر ثانٍ يهزأ بالناس ومُلك الناس ودين الناس.
وكلاب الحيّ وهررته ينبحون ويصوّتون. وطوبى لمن يفهم منطق الوحوش وليل المدينة.
***
أنام في السكينة، ماشياً في صحراء الومض العشوائي البطيء.
أنام في الفراغ؛ أنام في البياض؛ أنام في روايةٍ كتبتْها روح صديقة.
أخرج إلى فيضان العابرين—المدينة أوقيانوس.
وأنا تلميذ «ساتي»؛ ملّاح السفن غير المرئية الذي لا يفقه من الموسيقى سوى دستورها في تقليب الدّهور والسّخرية من الأسماء والمواقيت وتخليد لحظة الشرود الربّانية المنقذة.
أنا مكتشف الضباب الأشقر والأرواح المقنّعة: تقول اللحظة المجنونة التي لا تلبث أن تحذف نفسها من سجلّ الأوقات—ويضحك الروح على اعترافي بأنني (…): ليست ممنوعة لحظة النّمرَدة شرطَ أن تُنسى.
***
صحراءُ واسعة هذه المدينة، وكلّها واحات ترحّب باللصوص والقراصنة والتلاميذ العُصاة.

كاتب سوري