اخبار

ما بعد المونديال .. هل استثمر الأردن حضوره العالمي بأسلوب مدروس؟

الكاتبabdulrahman-mustafaتاريخ النشر
ما بعد المونديال ..  هل استثمر الأردن حضوره العالمي بأسلوب مدروس؟

زاد الاردن الاخباري –

كتب : الدكتور احمد الوكيل – لم يكن تأهل المنتخب الوطني الأردني إلى نهائيات كأس العالم 2026 مجرد إنجاز رياضي عابر، بل لحظة وطنية استثنائية وضعت اسم الأردن أمام مئات الملايين من المتابعين حول العالم. فالمونديال ليس بطولة كرة قدم فحسب، بل منصة إعلامية واقتصادية وسياحية وثقافية هائلة، تتنافس الدول على استثمارها للترويج لصورتها وتعزيز مكانتها على الساحة الدولية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد انتهاء مشاركة “النشامى” هو: هل نجح الأردن في استثمار هذا الحدث العالمي بصورة مدروسة تحقق مكاسب مستدامة، أم اكتفى بالاحتفاء بالإنجاز الرياضي؟
لقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن المشاركة في كأس العالم يمكن أن تتحول إلى فرصة استراتيجية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر. فدول مثل المغرب، وكرواتيا، واليابان، وكوريا الجنوبية، وحتى أيسلندا، نجحت في توظيف مشاركاتها الكروية لتعزيز السياحة، وجذب الاستثمارات، والتعريف بثقافتها، والترويج لعلامتها الوطنية، لتبقى آثار الإنجاز حاضرة سنوات بعد انتهاء البطولة.
أما في الأردن، فقد شهدت فترة المونديال زخماً إعلامياً كبيراً، وحضوراً لافتاً لاسم المملكة في وسائل الإعلام العالمية، إلى جانب مشاهد الجماهير الأردنية التي عكست صورة حضارية راقية، فضلاً عن الإشادة بالأداء المشرف للمنتخب الوطني. إلا أن التساؤل يبقى قائماً حول ما إذا كانت هناك خطة وطنية متكاملة لاستثمار هذا الظهور العالمي.
فالنجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بنتيجة المباريات، بل بقدرة الدولة على تحويل هذا الاهتمام الدولي إلى فرص اقتصادية وسياحية واستثمارية. فكم حملة ترويجية أُطلقت للتعريف بالأردن خلال البطولة؟ وكم مستثمراً أو شركة عالمية استُهدفت برسائل تسويقية تستفيد من الزخم الإعلامي؟ وهل جرى توظيف هذا الحضور للترويج للمواقع السياحية، أو الصناعات الوطنية، أو البيئة الاستثمارية الأردنية؟
إن بناء “العلامة الوطنية” (Nation Branding) لم يعد ترفاً، بل أصبح أحد أهم أدوات المنافسة بين الدول. فكل ظهور عالمي يمثل فرصة لتعزيز الصورة الذهنية للدولة، وجذب السياح، والمستثمرين، والطلبة، وحتى الشركات الباحثة عن بيئات مستقرة وآمنة للأعمال.
وفي هذا السياق، كان من الممكن أن يشكل المونديال منصة لإطلاق حملات ترويجية متزامنة عبر وسائل الإعلام العالمية ومنصات التواصل الاجتماعي، وإنتاج محتوى رقمي متعدد اللغات يبرز ما يتمتع به الأردن من إرث حضاري، ومقومات سياحية، وبيئة استثمارية، إضافة إلى تنظيم فعاليات اقتصادية وثقافية في المدن المستضيفة للبطولة، بالتعاون مع السفارات والقطاع الخاص.
كما أن مشاركة الشركات الأردنية، والمؤسسات السياحية، وهيئات الاستثمار، والجامعات، في استثمار هذا الحدث كان من شأنه أن يضاعف العائد الوطني، بحيث يتحول الإنجاز الرياضي إلى فرصة اقتصادية وتنموية حقيقية.
ولا يقل أهمية عن ذلك استثمار الزخم داخلياً، من خلال دعم الرياضة المدرسية، وتطوير البنية التحتية الرياضية، وتعزيز صناعة الرياضة بوصفها قطاعاً اقتصادياً قادراً على خلق فرص العمل واستقطاب الاستثمارات، وليس مجرد نشاط ترفيهي.
ولا يعني هذا الطرح التقليل من الجهود التي بُذلت أو من قيمة الإنجاز التاريخي الذي حققه “النشامى”، بل على العكس، فالمنتخب الوطني منح الأردن فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً، والسؤال اليوم هو: كيف نحافظ على هذا المكسب ونبني عليه؟
إن الدول الناجحة لا تتعامل مع الإنجازات الكبرى بوصفها لحظات احتفال مؤقتة، بل تعتبرها نقاط انطلاق لمشروعات وطنية طويلة الأمد. ومن هنا، فإن المطلوب مستقبلاً هو إعداد استراتيجية وطنية متكاملة لاستثمار كل حدث عالمي يشارك فيه الأردن، تشارك فيها مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والإعلام، بحيث تتحول الإنجازات الرياضية إلى رافعة للتنمية والاقتصاد والسياحة والدبلوماسية العامة.
فالمونديال انتهى، لكن قيمة المشاركة لا ينبغي أن تنتهي معه. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل أحسنّا استثمار اسم الأردن عندما كان العالم ينظر إلينا؟ أم أن الفرصة مرت كما مرت فرص كثيرة من قبل؟